الحياة والمجتمع

التضليل وفق أساسيات علم الجهل




……. إن التضليلُ “الــمُخَطَّط لهُ والـمُــمَنهَج”، بحسبِ أساسياتِ عِلم الجهل يَستنِد إلى قنواتٍ ثلاث:
1- بثُّ الخوفِ لدى الآخرين:
فيلجؤونَ تارةً إلى “صنع أعداء وهميين” لِتَحشيدِ الرأي العام، وتارةً إلى إِرهاب الجمهور من المستقبل المظلِم إذا لم يُشاركوا في هذه المعركة أو تلك!! وكأن الأرض ستفنى إذا لم يتحقق هذا “الهجوم المقدَّس” الذي تُجَهِّزُ له تلكَ الحكومات، حيث إنه ليس هناك غريزةٌ بشريَّةٌ تنافس غريزة حُبِّ البقاء، ولذلك يمكنك بسهولة أن تبيع السمك في حارة الصيادين عندما تهدد أمنَهُم وبقاءَهم!
2- إثارةُ الشُّكوك:
إن زَعْزَعة الثوابت على اختلافها هي منتهى آمال مهندِسي الجهل ومُديرِي الفهم، فهُم لا يريدون من الفرد قناعاتٍ، بل يريدون منه أن يبقى دائماً ضمن دائرة الشك والتساؤل، وذلك من خلال ما يرمونه له من طعم وأفكار لزَعْزَعة ثوابته ومبادئه بأساليب وطرقٍ عدَّةٍ، منها ما يسمى (التَّسْرِيبات) التي لا تخرج إلا في أوقاتٍ محدَّدةٍ وخبيثةٍ يكون الفرد فيها مُهَيَّئاً لتشرُّبها.
تسريباتٌ للجهة الفلانية، وكشف المستور للجهة العلَّانية، وما الغاية من كل ذلك إلا القضاء على أيِّ حركةٍ أو محاولةِ خروجٍ من دائرة الجهل، وكم قضت مثل هذه التَّسريبات على ثوراتٍ وحركاتٍ فكريَّةٍ وتحرُّريةٍ، وعلى أفكارٍ لو كتب لها النجاح لكانت باباً من أبواب الفرج على سُجَناء الجهل.
والمتابع والدارس لهذه الاستراتيجية يجد أنها أيضاً كثيراً ما تُوظَّفُ في القطاع التجاري والاقتصادي، وأحيانًا في مجالاتٍ أخرى أيضاً، وهذا بالتحديد منهج الكثير من الشركات.
ومن الأمثلة على ذلك: ما قامت به شركة كوكاكولا العالمية بعد هبوط مبيعاتها بنسبة ٢٥%، حيث قامت بدفع ما يقارب خمسة ملايين دولار لباحثين أكاديميين لتنفيذ مهمَّةِ تغيير فهم المجتمع حول أسباب السُّمْنةِ، وذلك بتقليل دَور المشروبات الغازية في انتشار السمنة، وتوجيه اللَّوم إلى عدم ممارسة التمارين الرياضية!
هذه “الأبحاث مدفوعة الأَجر” تُنشَر على نطاقٍ واسعٍ لإثارة الشكوك في ذِهنِ الفرد حتى يُعيد تشكيل موقِفِهِ بما يَتَناسب مع أَجِندَةِ هذه الشركات.
3- صناعةُ الحَيرة:
إن من مُتْبَعات زعزعةِ الثوابت وإثارة الشكوك هو صناعة الحَيرة، وهو الذي تُجيده ما تُسَمَّى (البرامج الحوارية) بشكلٍ تامٍّ.
هذه البرامج التي تبدو بريئةً في ظاهرها، وتهدف إلى التوعية وعرض الرأي والرأي الآخر، وما هي في الحقيقة إلا طُعمٌ لا يدري آكِلُه بعد الانتهاء منه رأسه من قدميه، وإن كان عنده بقيَّةُ علمٍ أو يقينٍ أو إيمانٍ بشيء؛ فاقرأ عليه الفاتحة!
لأن كثرة المعلوماتِ المتضاربةِ تجعل اتِّخاذ القرار المناسب صعباً، فيدخُل الفرد في دوَّامةٍ من الحَيرة، حتى يبدو تائهاً وجاهلاً بما يجري في الحقيقة، وهذا الوضع يزيد من العِبْءِ النفسيِّ والذِّهنيِّ على الفرد، فيقبَل ما لا يَنبغي القبولُ به، طمعًا في النجاةِ من هذه الدوامة، وهذه تحديدًا هي الغاية!
 
أو يصل لمرحلة يرى فيها أن السعيد هو الذي فقد عقله ومحاكمته العقلية، ويصبح العِلمُ وبالاً على صاحبه، ويصبح لسان حاله يقول فيها: لا أريد أن أرى شيئاً ولا أن أعلم شيئاً، و”طَنِّشْ تــَعِشْ”، و “فَخَّار يكسِّر بعضه”.
مقتطفات من كتاب ” التتفيه والتجهيل -وسائل واستراتيجيات- “
ما هو رد فعلك؟
+1
1
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0

mustafa alzarrak

محامي وباحث سوري ومدرس للغة التركية في اسطنبول منذ عام ٢٠١٤ ناشر سابق في جريدة المدار العراقية بين عام ٢٠٠٤ - ٢٠٠٨. ومؤلف كتاب " التتفيه والتجهيل -وسائل واستراتيجيات- "

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى