الحياة والمجتمع

الجهل الصناعي ( علم الجهل ) 2




الجهل الصناعي ( علم الجهل ) 2
وتمَّ تعريف هذا العلم بأنه: “هو العلم الذي يدرس صناعة ونشر الجهل بطُرُقٍ علميَّةٍ رصينةٍ”، أو لنقل: “هو استخدام المعرفة المُمَنْهَجة في توجيه شريحةٍ من الناس أو شعبٍ من الشعوب أو شعوبٍ بأكملها فيما يخدم هدف الجهات التي تقف وراءها، ويكون إما باستبدال المعلومات المزيَّفة بأخرى حقيقية ، أو بإضافة معلومات أخرى غير المعلومات الحقيقية، أو زعزعة الثوابت أو القيم، كلُّه فيما يخدم هدف الجهات التي تقف وراءه”.
والدارس والمتعمِّق في موضوع التجهيل وهندسة العقل وصناعة القطيع والمواطن المستقر يُدركُ أن شعار “العلم للجميع” ما هو إلا كذبةٌ كبرى، وأن العلم ليس أبداً للجميع، ففروع العلم ليست مطروحةً جميعها للناس، وأن هناك عالَماً سريّاً موازياً يُتَدَاول فيه علوم تمَّ وَسْمُها بخاتم “علومٍ سرِّيةٍ”، وأحد فروع هذه العلوم السرية هو “علم صناعة الجهل Agnatology”.
وبالرَّغم من أن هذا المصطلح ليس بالحديث، لكن بدأ تركيز الضوء عليه في السنوات القليلة الماضية، وبشكلٍ محدود، فلقد ظهر ذلك المصطلح في ثمانينيات القرن الماضي، وكان السبب في ظهوره مذكرةٌ سريَّةٌ تم الكشف عنها عام ١٩٧٩م قامت بصياغتها إحدى الشركات المنتجة للدخان عام ١٩٦٩م، وتدعى ” brown & williamson tobacco company “، إبان تزايد الدعوات المناهضة للتدخين، والتي أيضاً تروج لأخطار التدخين وأثره السلبي العاجل العواقب على الصحة.
ولقد ذكرت شركة الدخان تلك في مذكرتها التي أطلقت عليها اسم “مقترح التدخين والصحة” أن أفضل طريقةٍ لترويج تدخين السجائر هو خلق حالةٍ من الشَّكِّ بين جمهور المدخِّنين، وبذلك يمكن التغلُّب على المفاهيم الراسخة بالعقل والذاكرة والتي تؤكِّد جميعاً أضرار التدخين.
وفعلاً أكَّدت المعطيات أن شركة الدخان تلك نجحت في استراتيجيتها تماماً، والدليل أن جمهور المدخنين في تزايدٍ مُستمرٍّ، وخاصَّةً في دول العالم الثالث، وعلى مستوى جمهور الشباب على الصعيد العالمي.
استراتيجية التجهيل وغيرها من الظواهر التي بات تفسيرها ليس باليسير هي فروع من العلوم السرية التي يحاول البعض التنقيب عنها، لكن يتم كَبْتُ هذه الأصوات حتى تموت الفكرة قَهْراً في مهدها.
 
من كتاب ” التتفيه والتجهيل -وسائل واستراتيجيات- “
ما هو رد فعلك؟
+1
1
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0

mustafa alzarrak

محامي وباحث سوري ومدرس للغة التركية في اسطنبول منذ عام ٢٠١٤ ناشر سابق في جريدة المدار العراقية بين عام ٢٠٠٤ - ٢٠٠٨. ومؤلف كتاب " التتفيه والتجهيل -وسائل واستراتيجيات- "

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى