الحياة والمجتمع

الجهل الصناعي ( علم الجهل ) 3




نعود للتسريب المذكور، هذا التسريب أثار حفيظة “روبرت بروكتور”، فبدأ بالتحقيق والتحري عن سلوك شركات صناعة التبغ، وكيف تنشر الحيرة بين الناس حول ما إذا كان التدخين يسبِّب السرطان، وتوصَّل إلى نتيجةٍ مَفادها: أن صناعة التبغ لا تريد للجمهور أن يعرف عن أضرار منتجاتها، ومُستعدة لإنفاق الملايين لحجب الحقائق عن الأضرار الصحية للتدخين.
وقد قاده ذلك البحث إلى ابتكار كلمةٍ جديدةٍ تنطبق على عملية نشر الجهل بشكلٍ متعمَّدٍ، وهي كلمة: “agnotology”، وهي مشتقة من كلمتي “agnosis” اليونانية التي تعني الجهل أو عدم المعرفة، و “ontology” والتي تـُطَلق على ما يـُعرَف باسم “علم الوجود”.
وأصبحت تلك الكلمة الجديدة أو لنقل المصطلح الجديد يشير إلى “دراسة الأفعال المقصودة والمتعمَّدة لإشاعة الحيرة والشك والخداع بين الناس؛ بُغْيةَ تحقيق مكسبٍ أو بيع سِلْعةٍ”.
وإنا نرى أن من أهم الأطراف المستفيدة من كل ذلك -إن لم نقل المستفيد الوحيد- هُم رجال الاقتصاد والسياسة، والذين نراهم شخصياً وحدةً مُتكاملةً وكلاً لا يتجزَّأ ولا ينفصلان عن بعضهما البعض، بل ومن الممكن أن يكونوا كياناً واحداً.
يقول “روبرت بروكتور”: كنتُ أعكِفُ على استكشاف كيفية نشر الشركات الكبيرة والقوية للجهل من أجل بيع منتجاتها، الجهل قوَّةٌ كبيرةٌ، ويتعلق ذلك المصطلح الجديد بإشاعة الجهل عن سبق الإصرار.
وبدراسة ذلك، اكتشفت أسرار عالم العلوم السرية، وبتُّ على قناعة بأنه يتوجب على المؤرخين إعطاء هذا الأمر اهتماماً أكبر”.
وباتت مذكرة عام ١٩٦٩م والأساليب التي استخدمتها شركات صناعة التبغ، المثال الأوضح لتطبيق فكرة نشر الجهل بِتَعَمُّد، كما يقول “روبرت بروكتور”، ويضيف: “الجهل ليس فقط عدم المعرفة، ولكنه حيلة سياسية، واستراتيجية مُتَعَمَّدَة من قـِبَل ذوي السلطة الذين يريدون لك ألا تعرف”.
وطلب “روبرت بروكتور” مساعدة عالم اللغة “إيان باول”، وتوصَّلا معاً إلى هذه الكلمة التي صيغَت وَوُلـِدَت عام ١٩٩٥م، إلا أن كثيرا من تحليلات “روبرت بروكتور” للظاهرة كانت في العقود التي سبقت ذلك.
ويوضِّح “روبرت بروكتور” أن الجهل يمكن نشره والترويج له تحت قناع الجدل والنقاش المتوازن!
على سبيل المثال، هناك فكرةٌ سائدةٌ مفادها أنه عندما تكون هناك دائماً آراء متضاربةٌ حول أمرٍ أو منتجٍ ما، فإن ذلك لن يفضي في النهاية إلى نتيجة عقلانية محدَّدةٍ. ( يتبع …)
ما هو رد فعلك؟
+1
0
+1
0
+1
1
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0

mustafa alzarrak

محامي وباحث سوري ومدرس للغة التركية في اسطنبول منذ عام ٢٠١٤ ناشر سابق في جريدة المدار العراقية بين عام ٢٠٠٤ - ٢٠٠٨. ومؤلف كتاب " التتفيه والتجهيل -وسائل واستراتيجيات- "

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى