الحياة والمجتمع

(( ما هي التفاهة )) مقتطفات من كتاب اللتفيه والتجهيل




ما هي التفاهة ؟

تكاد الكثير من المعاجم على اختلاف تعريفاتها للتفاهة تلتقي في نقطةٍ مشتركةٍ تقول: بأن التفاهة هي النَّقْصُ في الأصالة أو الإبداع أو القيمة أو الأهمية، وإذا قلنا: (تفِهَ الطعام)؛ فنعني بذلك أنه بلا طعم أو ذوق، وعلى ذلك نقيس قَولَ: (تــفــِهَ الرجل)؛ أي: أصبح عديم الطعم بفكره وحياته[1].

وإذا أردنا والقارئ أن لا ندخل في جدالاتٍ قوامِيسيَّةٍ كما يقال، نختصر الأمر بقولنا:

إن أيَّ عملٍ يقوم به الإنسان، وإنَّ أيَّ فكرةٍ أو أيدولوجية بشكلٍ عامٍّ لا تصُبُّ في النهاية في باب رفع مستوى الفكر؛ لجعل الحياة أكثرَ عدلاً وراحةً وأمناً وقداسةً وطُهراً وقيمةً وجمالاً، فإنه يُـعَدُّ ضرباً من ضروب التفاهة التي لا فائدة منها، بل التفاهة بعينها؛ لأن الأمم لم تنهض يوماً بسفاسفِ الأفكار، وبالترويح عن النَّفْسِ بالغَثِّ والعدَم ليلاً نهاراً.

 

وهنا قد يتساءل سائلٌ مُحِقاً: وهل تمضي الحياة هكذا بالشكل الذي تريدون؟

نقول له: بأنها لا تسير بالشكل الذي نريد، وأن التفاهة حقٌّ لكل إنسان، وحقٌّ لا بد من ممارسته، لا يختلف عن حقِّ إيِّ إنسان بالزواج والإنجاب والتنفس، لكن أن يتحوَّل هذا الحقُّ المحدودُ من جزءٍ من الحياة ليكون الحياة كلَّها، فهذا أمرٌ لا يمكن السكوت عنه؛ لأنه يأكل حقَّ الآخرين في حياةٍ لها قيمةٌ، قَبِلوا ذلك أو رفضوه؛ لأن العالم بما فيه من تفاهةٍ أو قيمةٍ على السواء أصبح هواءً يتنفَّسه الجميع، فيُصيبهم تلوُّثه كما يصيبهم ما فيه من رائحةٍ زكيَّةٍ.

وبناءً على ذلك لا نستطيع أن نقف مكتوفي الأيدي تجاه هذا الاستخدام المفرط في حقِّ الإنسان أن يكون تافهاً، ونقف بكلِّ ما أوتينا من قوَّةٍ في وجه مَن يدَّعي أنه يملك الحق في أن يكون مُتَفِّها، قياساً على حقه في أن يكون تافهاً، كوقوفنا تماماً في وجه مَن يدعي حقاً في قتل ابنه قياساً على حقه في إنجابه.

أقفِلْ بابَكَ، ومارِسْ تفاهتَكَ مع نَفْسِكَ أو مع التافهين أمثالَكَ ليلاً نهاراً دون أن يُصيبنا منها شيءٌ، وابقَ على هذا الحال إلى أن يخرج آخر نفَسٍ تافهٍ منكَ، فتُريح وتستريح، لا شأن لنا بكَ.

وبما أن التافه تعدَّى حقَّه المحدود أصلاً في أن يكون تافهاً، أو يعيش شيئاً من التفاهة لتستمر الحياة بشكلٍ سليمٍ بعيدٍ عن الأمراض النفسية، وبات يتفنَّن في تَـتفيهِ كلِّ ما له قيمةٌ في حياتنا وفي ماضينا، ومد يده لمستقبلنا أيضاً، وجدنا أنه لا بد من رفع يدِنا عالياً بالبطاقة الحمراء.

 

 

ما هو رد فعلك؟
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0

mustafa alzarrak

محامي وباحث سوري ومدرس للغة التركية في اسطنبول منذ عام ٢٠١٤ ناشر سابق في جريدة المدار العراقية بين عام ٢٠٠٤ - ٢٠٠٨. ومؤلف كتاب " التتفيه والتجهيل -وسائل واستراتيجيات- "

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى