تقنيةمال وأعمال

الوجه الآخر لشركة أمازون



 

من منا لم يسمع عن شركة أمازون ، الكل أكيد سمع عن أمازون وعن صاحبها جيف بيزوس، أغنى أغنياء العالم، الذي حالياً قد طلق زوجته وستحصل على نصف ثروته.

المهم إن جيف بيزوس هو الحقيقة ليس هو المشكلة، ولكن المشكلة في الشركة الخاصة به، هناك شيء غريب جداً في هذه الشركة.

أمازون تعتبر من أكبر الشركات من حيث القيمة السوقية، وتصارع آبل ومايكروسوفت على هذا اللقب، لأن الشركات الثلاثة قريبين جداً من بعضهم.

ونحن نتكلم هنا عن الشركات المدرجة في البورصة، لأن أكبر الشركات تقريباً درجتها تكون 2 ترليون ونص، وأمازون ليست موجودة في البورصة، لذلك لن نجدها في ترتيب أكبر الشركات في البورصة من حيث القيمة السوقية.

المهم أمازون تحصل على إيرادات تتجاوز 230 مليار دولار في السنة، لكنها على مستوى الأرباح فإنها تحقق خسائر، أو يمكن أن تحقق 3 مليار دولار، فمثلاً تعمل على مبيعات وإيرادات ب 233 مليار دولار، والنهاية تجد الأرباح لا تتجاوز مثلاً 10 مليار دولار.

وهذا الكلام كان في آخر ثلاث السنوات الأخيرة، من عام 2016 إلى 2018، ولكن منذ عام 1967 إلى عام 2015 في بداية الشركة، كانت تحقق خسائر فقط.

فكيف استمرت كل هذه السنوات وكيف اقتنع المستثمرين وشاركوا بأموالهم في الشركة، فهناك شيء غريب جداً.

بدايات جيف بيزوس

جيف بيزوس شاب حاصل على هندسة الكهرباء والحاسبات، مجتهد في عمله، انتقل بين عدة شركات، حتى وصل إلى شركة ديترو أند كو، وقد كان عملها متعلقاً بالبنوك والاستثمار.

حسناً ما هي علاقة المهندس جيف بهذا الموضوع؟

إن هذه الشركة كانت تستثمر في تطوير أنظمة برمجية للأسواق المالية، وهي من الأشياء التي يفهمها جيف بيزوس.

وقد تطور في الشركة حتى وصل إلى نائب الرئيس التنفيذي، وقد كان أصغر شخص يحصل على هذه المكانة في ذلك الوقت، واستقرت أموره جيداً.

 وفي بداية التسعينات كانت بداية عصر الانترنت والمواقع التي تظهر، والشركات الناشئة الجديدة، التي تستغل الانترنت لكي تكبر في أعمالها.

الشركة قررت أن تكلف جيف بالبحث عن فرص استثمارية جديدة في هذا المجال، فأخذ يفكر لدرجة أرقام الانترنت أسرته، فقد كان الانترنت ينمو بأكثر من 800% سنوياً، وبالتالي وجد أن هناك فرص كثيرة غير مستغلة.

لدرجة أنه شخصياً بدأ بالتفكير بتأسيس شركة، ومنها جاءته فكرة بيع الكتب على الانترنت، المهم بدأ يعرض هذه الفكرة على شركته، لكنهم كانوا غير متحمسين لهذه الفكرة.

كان مؤمناً بالفكرة ولا يريد أن يتركها، فبدأ يدرس خطته ويجمع معلومات دقيقة جداً عن خطة عمل موقع لبيع الكتب على الانترنت.

وكان هناك في ذلك الوقت معرضاً لبيع الكتب، يقام سنوياً في أمريكا، فذهب على هذا المعرض وبدأ يراقب تصرفات الناس في المعرض، ويدون ما يحبه الناس من الكتب وما لا يحبونه، وما هو الذي يمكن أن يفعله ليطور هذا المجال.

فبدأ يجمع البيانات المهمة، وركز جيداً على نقطة تجميع البيانات لأنها أهم عامل من عوامل نجاح أمازون في كل مسيرتها.

جيف أصبح لديه الآن كل تكوين الفكرة، وبدأ الخطة وفكر بكل التفاصيل الدقيقة، ولكن كان ينقصه أهم شيء وهو التمويل، فمن أين سيأتي بالمال؟

وقبل التمويل كان هناك مصيري يجب على جيف بيزوس أن يتخذه، ألا وهو أن يقدم استقالته في الشركة، وفعلاً قدم استقالته مع استغراب كل العاملين فيها، وترك كل العمل هذا، وبقي وراء فكرته.

وذهب جيف بعدها على والديه، وطلب منه تمويلاً، وأخبره أنه سيدخل مشروعاً كبيراً، وهناك احتمال للخسارة أو الربح، ولكن لو نجحت الفكرة، سيكون المكسب مرعب.

فوالداه اقتنعا بهذا الكلام، رغم أنهم لم يفهموا معنى المشروع بالضبط، فماذا يعني الإنترنت أساساً، ولكنهم أعطوه رغم ذلك كل ما لديهم 300 ألف دولار، وبدأ جيف بتأسيس شركته الخاصة أمازون من مكان موقف سيارته في المنزل.

بدايات شركة أمازون

الشركة في بدايتها لم يكن اسمها أمازون، كان اسمها كادابرا، من 1994 إلى 1995 كانت على هذا الاسم.

ولكن عندما تبلورت الفكرة أكثر عند جيف بيزوس، وبدأ يرسم مستقبلاً بعيد المدى للشركة، أدرك أنه لن يستمر في بيع الكتب، فهو قد خطط منذ البداية أن يبيع كل شيء، ويكون موقع أمازون متفرع في أمريكا وفي العالم كله.

لذلك أطلق على الشركة اسم أمازون، وهذا لأن فروعه كثيرة جداً، وبدأت الشركة فعلاً 1995، وبدأت المبيعات، وكان جيف بيزوس قد اصطنع جرساً يرن عندما يباع كتاب على الموقع، لأنهم لم يكونوا متوقعين أنهم سينطلقون في المبيعات، أو أنه سيكون هناك مبيعات أساساً.

لكن على عكس التوقعات كانت المبيعات تزداد يومياً، ليس فقط في أمريكا، بل في أكثر من 45 دولة.

وخلال شهرين فقط أمازون كانت تبيع أكثر من 20 ألف كتاب في الشهر الواحد، واستمرت أمازون على هذا الحال سنة ونصف، من المبيعات الكبيرة جداً وتطورت، حتى وصلت لعام 1997.

ولأن هدف أمازون كبيراً جداً قررت الدخول في البورصة والناس بدأت تشتري الأسهم، وأصبحت قيمة الشركة في هذا الوقت، 400 مليون دولار، ومنذ ثلاث سنين فقط كانت 300 ألف دولار التي أخذها من والديه.

قيمة الشركة كبرت مع الوقت، وأسهم أمازون أصبحت عالية جداً، ليس لوحدها ولكن معظم شركات التكنولوجيا في هذا التوقيت، كانت تنمو لأرقام خيالية.

انهيار فقاعة دوت كوم

إلى عام 1999 كان هناك انهيار كل هذه الشركات، وهذه الحالة كانت تسمى بانهيار فقاعة الدوت كوم.

بعد هذا الانهيار كانت أمازون فعلياً على وشك الافلاس، لأن أسهمها نزلت من 106 دولار للسهم الواحد إلى 5 دولار، فهل تتخيل الرقم؟

المهم فموضوع انهيار شركات التكنولوجيا لم يؤثر فقط على أمازون، بل على كل المنافسين لأمازون، لدرجة أنهم أشهروا إفلاسهم جميعاً.

أمازون بأفرع جديدة

وهنا كانت فرصة جديدة لأمازون، فالفكرة أن جيف بيزوس، بدأ يضع خطة جديدة لكي يحتكر السوق، ويستغل هذه الفرصة.

فأنشأ أمازون كندل وأمازون استديوز وأمازون برايم، كل الأمور المتفرعة جداً من أمازون، لكي يدخل بمنتجات جديدة وأفكار جديدة ويسيطر على السوق.

كيف استطاعت أمازون أن تحصل على إيرادات كبيرة وتخسر؟

استراتيجية أمازون من البداية أن تكبر بسرعة، ليس المهم المكسب في البداية بل المهم المبيعات، فهم يريدون أن تزيد المبيعات سنة وراء سنة، فكلما كان الرسم البياني للمبيعات يزيد معهم، كلما كانوا يسيرون على خطتهم.

ونقطة  ثانية كانت مهمة بالنسبة لهم، هي أن يكونوا أكبر قاعدة من العملاء، ويأخذوا بياناتهم، وذلك لأنهم عندما يحللون هذه البيانات، يستطيعون إخراج نتائج ويرون كيف يمكن أن تزيد المبيعات، بناءً على هذه البيانات.

الربح سيأتي عاجلاً أم آجلاً

بالنسبة للأرباح كانت في اعتقادهم أنها من المؤكد ستأتي، ولكن على المدى البعيد، وهذه الجملة من عام 1997 يقولها جيف بيزوس لكل المستثمرين الذي اشتروا أسهماً في الشركة.

فالمبيعات كانت تنمو أكثر فأكثر، وبالفعل كان المستثمرين مؤمنين جداً بأمازون، ولذلك لم يكن أحدهم قلقاً على الأرباح، فالمهم أن تتطور الشركة وتكبر في المبيعات.

وبعد سبعة عشر سنة من تأسيس الشركة، بدأوا يرون الأرباح، وبدأ يكون لديهم بعد عام 2015 المقدرة للتحكم في الأرباح، فقد كانوا في البداية يسعون للتحكم في الإرادات والمبيعات، وقد زادت ارباحهم كما يريدون، بسبب السبعة عشر عاماً الماضية.

لو رأينا لتفاصيل المالية لأول سنة من عمل أمازون، تقريباً في عام 1997 سنجد أن المبيعات وصلت إلى 147 ألف دولار، نزيل منها التكلفة الفعلية للكتب ومنتجاتهم الباقية.

سنجد تقريباً 118 ألف دولار، سيبقى 29 ألف دولار، ونزيل منهم مصاريف التشغيل والضرائب والتسويق، سيبقى في النهاية أن الشركة قد حققت خسائر، طبقاً للأرقام التي خرجت من الشركة نفسها، ب27 ألف دولار.

وقس على ذلك باقي السنوات وكلما ارتفع مستوى الإيرادات، كلما وصلت في بعض السنوات أن تكون الخسائر كبيرة.

أمازون للتسويق أفضل

الفكرة كلها أن أمازون كانت تريد أن تزرع في أفكار الناس، أنكم إذا أردتم شراء منتج، فأدخل على أمازون، ولن تحتاجون بالبحث عن أي مكان آخر، لأنكم مهما بحثتم لن تجدون ثمناً أرخص من أمازون.

كانت أمازون تتعمد وضع المنتجات لديها، حتى لو خسرت بها ليس هناك مشكلة، ولكن المهم أن يبقى الناس موجودين على الموقع، وترى أمازون رقم واحد في المبيعات، ورقم واحد بأرخص ثمن.

فمثلاً كتاب ثمنه 10 دولار، المفروض أننا سنضيف لهذا الكتاب 2 دولار لمصاريف الشحن والضرائب والتسويق والمصاريف الادارية، والشركة من الممكن أن تضيف 3 دولار كمكسب، والمفروض أنها عندما تبيع هذا الكتاب يكون ثمنه 15 دولار، فأي شركة أما أمازون المفروض أن تفعل ذلك.

ولكن أمازون كان تكتفي بال 10 دولار، و2 دولار للضرائب والتكلفة والتسويق، وتبيع الكتاب ب 12 دولار، فباقي الشركات ولأنهم لم يبنوا خطة عمل شركاتهم على المنافسة بهذا الشكل، فبالتالي لا يستطيعون منافسة أمازون، وبالتالي كانت تسبب لهم خسائر كبيرة جداً، وهكذا فإن أي منافس لأمازون ينهار ويشهر افلاسه.

منافسة أمازون للماركات العالمية

بدأت أمازون بالتوسع والبيع، ليس فقط في مجال الكتب، بل أصبحت كل الشركات المنتجة الكبيرة مجبرة على بيع منتجاتها على أمازون.

لأن موقع أمازون ببساطة يتيح لأي شخص يرغب بالبيع، أي مثلاً ممكن أن تقوم بعمل تقليد لماركة مشهورة، وتبيعه على أمازون على أنه هو المنتج الأصلي وثمنه رخيصاً، فيبدأ الناس بشرائه.

وهذا الكلام كان يسبب خسائر كثيرة للماركات الكبيرة بسبب التقليد، وهذا ما يدفعها أن تكون موجودة بشكل إجباري على موقع أمازون، وأمازون يضع عليها علامة أنها منتجات أصلية، ولكن هي وسيلة من وسائل الضغط على الماركات الكبيرة، لكي تجعل مبيعاتها من أمازون حصراً.

وهذا الشيء جعل أمازون وحشاً للمبيعات بدون منازع في أمريكا، فهي الآن تسيطر على 49% من كل المبيعات على الإنترنت في أمريكا.

ليس هذا فقط، بدأت التوسع في مجالات أخرى، وتدخل في صناعات أخرى، وبمجرد أن تجد أمازون إحدى الشركات تعمل جيداً، وتبيع جيداً على الانترنت، فتدخل عليهم لتعرض عليهم عرض استحواذ.

ورأينا ما الذي حصل مع سو دوت كم عام 2017 عندما استحوذت أمازون عليهم، بأكثر من نصف مليار دولار، أحياناً عروض الاستحواذ هذه تكون جيدة مع بعض الشركات، ولا تتأثر كثيراً.

ولكن هناك شركات أخرى لا ترضى أن يتم الاستحواذ عليها، بل تريد المنافسة والحصول على حصة أكبر من السوق.

وعندما تعرض أمازون الاستحواذ على أي شركة، فلا تستطيع الرفض، لأنه في أبسط مثال الذي حصل مع شركة دايبرز دوت كوم، وهذه شركة كانت تبيع فوط للأطفال، ومنتجات لحديثي الولادة، وأقيمت عام 2005 وكانت تحقق مبيعات جيدة على الإنترنت في أربع سنوات.

أمازون رأت هذه الشركة، وأرسلت لهم أن أمازون يعمل في مجال فوط الأطفال أيضاً، فنتمنى أن تتركون هذا المجال بالثمن الذي تريدون، شركة دايبرز دوت كوم أجابوا بالنفي، وأنهم لن يتركوا هذا المجال وأنهم لا يعرضون شركتهم للبيع.

وخلال سنة كانت أمازون ابتكرت في الشركة جانب للفوط، وبدأت تخفض في الأسعار بشكل كبير جداً، وهذا أدى لحدوث خسائر لدى دايبرز دوت كوم، الذي جعلهم في النهاية عام 2010 أن يقبلوا بعض الاستحواذ، وانتقلت دايبرز دوت كوم إلى شركة أمازون.

أمازون برايم

أمازون لن تبقى هكذا بربح قليل ومبيعات كبيرة، فالفكرة أن أمازون في يديها الآن أن تفعل الذي تريده، فهي قد جمعت أكبر قدر ممكن من العملاء والبيانات والشعبية والقاعدة الجماهيرية، فلو كانت تريد أن تزيد الأرباح، كان كل ما عليها أن تزيد الأسعار قليلاً.

الموضوع بسيط كما رأينا نموذج للخدمة التي قامت بها أمازون برايم عام 2005، وكانت باشتراك سنوي ب79 دولار، وتأخذ خدمات مثل التوصيل السريع والشحن المجاني تقريباً، وتأخذ الأفلام والموسيقى وتأجير الكتب.

وبعد إطلاق هذه الخدمة، تم تحويل نصف عملاء أمازون إلى خدمة برايم، لكن أمازون كانت تخسر عن كل اشتراك أو عن كل عميل يشترك، لأن تكلفة هذه الخدمة كانت 90دولار، وهي كانت تبيعها ب 79 دولار، أي تخسر 11 دولار.

لكن مع الصبر في كل هذه السنوات من 2005 إلى 2014 أمازون رفعت السعر من 79 إلى 99، فهل تعتقد بتلك الزيادة كم من العملاء المشتركين فكر أن يستمر مع أمازون؟

أمازون ملكة التسويق

أكثر من 95% من العملاء جددوا اشتراكهم على الثمن الجديد، وهنا كان سر الثقافة التي تزرعها أمازون في عقول كل المشتركين، أنك لا تستطيع العيش دون خدمة أمازون برايم، خاصة لدى الأمريكان.

وبزيادة الأسعار سنرى أن الأرباح في 2015 بدأت أمازون تحققها بعد سبعة عشر أو خمسة عشر عاماً، كانت نصف مليار دولار، في عام 2016 أصبحت 2و3 من 10 مليار دولار، وفي عام 2017 حققت 3 مليار دولار.

وفي عام 2018 عندما تم رفع ثمن الاشتراك من 99 إلى 119 حققوا ربح 10 مليار دولار، طبعاً كل هذه الأرباح لم تكن بسبب أمازون برايم فقط، بل يوجد أشياء أخرى كثيرة كانت تجلب الأرباح.

السيطرة على العملاء

ولكن الفكرة أن أمازون تسعى على السيطرة على العملاء بمرضاتهم، ففي يوم من الأيام حتى لو رفعت الثمن، ستجد العملاء راضيين على الزيادة نظير الخدمة التي يحصلون عليها.

وفي النهاية شركة أمازون هي حالة تستحق الدراسة، ونستطيع أن نستفيد منها على المستوى الشخصي، ففكرة الربح على المدى البعيد هي فكرة تستحق أن ندرسها.

ليس فقط في الربح المادي والشركات والعمل، بل الربح على المستوى الشخصي والدراسي، فدائماً المكتسبات على المستوى البعيد تكون أفضل بكثير وأكثر من الربح اللحظي الذي من الممكن كسبه الآن.

ولكي نقوم بعمل هذا النموذج يجب أن يكون لدينا خطة واضحة ومفصلة ودقيقة عن الشركة التي تريد اقامتها، وأيضاً خطة أقوى لكي تحل المشاكل التي ستقابله في المستقبل.

فعند النظر إلى جيف بيزوس الآن في أزمة فقاعة الدوت كوم وانهيار شركات التكنولوجية، وعلى رأس الشركات هذه كانت شركة أمازون، ولكن استطاع جيف بقدر من الذكاء أن يحول هذا الانهيار إلى فرصة للسيطرة على السوق، في ظل عدم وجود أي منافسين موجودين حالياً.

 المصدر : يوتيوب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى