قصص وحكايات

الخنساء | رثاء الخنساء ، قصة لن ينساها التاريخ | مع حسن هاشم




رثاء الخنساء ، قصة لن ينساها التاريخ ! – برنامج القصة | مع حسن هاشم

الخنساء

في مقالنا نذكر قصة خلود ام وزوجة وأخت ومربية ابطال رسخت اقوى روابط الاخوة على مر العصور وباتت تلك هي سيمتها الكبرى التي سيذكرها التاريخ بها دوما،

قصتنا قصة امرأة عاشت في الجاهلية وعاصرت وتوفيت في الاسلام فاستحقت لقب المخضرمة، امرأة فاضت قريحتها بأروع ما كتب من شعر الرثاء يوما،

امرأة كان لمقتل أخويها الأثر الأكبر في ابراز شخصيتها الشعرية، امرأة نالت نصيبها من المآسي في الاسلام كما في الجاهلية، الشاعرة الخنساء…

الخنساء او تماضر بنت عمرو بن الحارث السلمية، شاعرة من أهم شعراء العصر الجاهلي او الاسلامي على حد سواء، تماضر هذه كانت ابنة احد سادات واشراف العرب وملوك قبيلة بني سليم إحدى اكبر قبائل مضر، أبوها عمرو بن الحارث كان حاضن لها آخذ برأيها ومعليا لمقامها شأنها شأن أخويها معاوية وصخر

أما عن لقبها فقد اجمعت مصادر المؤرخين العرب على أنها اكتسبت اسمها لقصر أنفها وارتفاع أرنبتيه

تماضر او الخنساء حسب المصادر كانت ذات جمال آخاذ وجاذبية كبيرة ويعرف عنها طلاقة لسانها وذكائها لغويا مما جعلها تتبوء مكانة عالية بين شعراء العرب

من أبرز المحطات في حياتها كانت خطبة سيد بني جشم دريد بن الصمة لها، حيث تخبرنا كتب التاريخ أن دريدا هذا رأى الخنساء وهي تتمشى مع بعير لها فلفت نظره جمالها ليسأل عنها…

فيعرف أنها تماضر بنت عمرو شقيقة صديقه الحميم معاوية ليرقص قلبه فرحا فأنى لها أن ترفضه وهو سيد بني جشم الفارس المشهود له في كل الميادين وصديق أخيها بل إنه من شدة فرحه انشد ابيات من الشعر، نذكر منها:

حيوا تماضر واربعوا صحبي

وقفوا فإن وقوفكم حسبي

أ خناس قد هام الفؤاد بكم

و أصابه تبل من الحب

وبالفعل تقدم دريد لخطبتها وكله ثقة بأن مراده لن يخيب الأب رحب بالفارس النبيل والاخ سعد لحظ أخته لكن كان شرط الاب ان يسمع رأي الخنساء فهي التي تربت على العز والشأن الكبير وهي صاحبة العقل الراجح والرأي السديد

سُألت الخنساء فكان جوابها صادما لدريد فقد رفضت سيد بني جشم لسبب بسيط ألا وهو انها لن تتزوج إلا من بني عمومتها

موقف الخنساء أزعج دريد إلا أنه لم يخن صداقته معاوية بل كان له دوما في الثأر من قتلة معاوية وهو ماسنرويه فيما بع

في هذه الحادثة كان أخوها صخر سندا لها رغم معارضة معاوية لقرارها، تمضي الايام فتتزوج الخنساء من رجل من قبيلتها وأحد ابناء عمومتها الذي يدعى عبد العزى السلمي، تكشف الايام للخنساء ان زوجها رجل مقامر أفرغ ماله كله على القمار

ثم اتجه الى مال الخنساء الذي اعطته له بطيب خاطر كي لا يسأم من العيش معها ويتركها عرضة لألسن أهل القبيلة وهي التي رفضت سيد أل جشم قبله

لم يكتف عبد العزى بمال الخنساء بل أخذ يقيم الحيل عليها وبالأخص حيلته بتركها وحيدة كلما شح المال فتقوم الخنساء بالذهاب الى اخيها صخر تشكو له ضيق الحال فما يكون من الاخ الحنون الا ان يقسم ماله نصفين بينه وبين الخنساء

واستمر حال الخنساء على هذا المنوال حتى ضاقت الخنساء ذرعا به وتركته ولجأت الى بيت أهلها ولها منه ولد واحد هو عبد الله السلمي المكنى بأبو شجرة

أبو شجرة هذا نتيجة التخبط والضياع الذي عاشه بين شخصية أمه القوية وبين صفات ابيه الذميمة جعلته انسان انتهازي لا يهمه الا مصلحته

وكان أوائل من ارتدوا عن الاسلام بعد وفاة النبي الأكرم عليه الصلاة والسلام طمعا في المال، لكنه عاد الى الاسلام عندما لم يجد جدوى من ارتداده

بعد وفاة عبد العزى تزوجت الخنساء أيضا برجل من قبيلتها هو مرداس بن عامر السلمي الملقب بالفيض لكرمه وشدة سخاءه، هذا الزواج تم بعد مقتل أخويها

كان مرداس نعم السند للخنساء في مصيبتها والرجل الكريم الذي لا يوفر جهدا ليحقق الرخاء لعائلته

توفي المرداس في إحدى الرحلات التي كان يقوم بها تاركا للخنساء أربعة أبناء ثلاثة من الذكور وهم العباس وزيد ومعاوية وفتاة تدعى عمرة

وترك لها فاجعة حركت لهيب الخنساء لترثيه بقصيدة نختار منها:

ألا أختار مرداسا على الناس قاتله

ولو عاده كناته وحلائله

وقلن هل من شفاء يناله

وقد منع الشفاء من هو قاتله

نصل الأن الى فاجعتها بأخويها التي كانت السبب الأبرز لشهرتها بين العرب

بداية مآسيها كانت مع مقتل أخيها معاوية، تبدأ القصة بإعجاب معاوية بفتاة تدعى أسماء المرية ولكن الفتاة رفضته لأنها تابعة لهاشم بن حرملة الغطفاني،

بالطبع حصل تلاسن بين الرجلين ومن ثم مضى كل منهم في طريقه بعد انتهاء موسم عكاظ الذي حصلت فيه هذه الواقعة، هذا الأمر لم يمر مرور السلام على معاوية فهو سيد مضر واحد أشراف العرب فكيف يتم رفضه

نوى معاوية على غزوهم وحاول صخر ثنيه عن هذا الأمر إلا ان نار الغيرة كانت قد أعمت قلبه وبالفعل انطلق معاوية غازيا، اول محاولة لم تثمر شيئا حيث عاد معاويه ادراجه بسبب تطيرهم من رمي الطيور فضلاتها عليهم وهي من افكار الجاهلية القديمة

فلما بلغ الامر هاشما قال ان الجبن هو ما منعهم من المضي قدماً وصل الخبر الى معاوية وصمم على غزوهم العام التالي

وبالفعل خرج معاوية للغزو وعند ورودهم غديراَ يستسقوا رأتهم إحدى نساء الاعداء فأخبرت الغطفاني بموقعه فخرج مع أخيه دريد

دريد هذا ليس بدريد بن الصمة صديق معاوية بل هو أخو هاشم الغطفاني عدو معاوية

هاجم الغطفاني ورجاله معاوية وفرسانه بغتة فقتل من الطرفين ماقتل، وكان ضمن القتلة معاوية بن عمرو

عاد الفرسان الى صخر شقيق معاوية واخبروه بما حدث فانطلق صخر حتى وصل مضارب قبيلة العدو فسأل عن قتلة أخيه يبتغي الثأر فغرض عليه الغطفاني أن يقتص منه أو من أخيه دريد فقبل صخر وأراد رؤية قبر معاوية…

فدلوه عليه حتى أتى قبر أخيه ووعده بالثأر من قتلته ثم إنه أخد الشماء فرس معاوية و رحل متوعدا بالعودة في العام المقبل للثأر وهذا ماكان،

عاد صخر في العام التالي لينجز وعيده فغزاهم على الشماء فرس أخيه فقتل منهم ماقتل ونال من دريد أخو هاشم الغطفاني فقتله آخذا بثأره إلا أن دريد بن الصمة صديق معاوية الحميم لم يرضى الا ان يقتل الغطفاني ليتم الثأر لمعاوية

رثاء الخنساء لمعاوية لم يكن غزيرا بقدر رثاءها لصخر وذلك لأن الدارسين للتاريخ الجاهلي اعتقدوا ان السبب الابرز كان خوفها من ان يثير رثاءها حمية صخر فيعود الى القتال فتخسره كما خسرت معاوية

وكان في ماقالته في رثاء معاوية

بلينا وما تبلى تعار وماترى

على خدث الايام الا كما هيه

فأقسمت لاينفك دمعي وعولتي

عليك بحزن مادعا الله داعيه

لم يرض صخر بهذا الثأر ولم يسكن قلبه فتابع غاراته على قبيلة الغطفاني والقبائل الأخرى حتى أصيب بإصابة قاتلة جعلته طريح الفراش

يأس صخر من حالته هذه فهو الفارس الهمام فأنى له ان يصح مقعدا لا يقوى حتى على النهوض وفي نهاية الأمر أتاه الموت وأراحه مما كان فيه

موت صخر كان القشة التي قسمت ظهر البعير بالنسبة للخنساء

فهي خسرت أخويها الاثنين في ثلاثة أعوام فلم يكن أمامها إلا الشعر لكي تطفئ قليلا من لهيب فؤادها فأورثت الشعر العربي أجمل وأبلغ ما قيل في الرثاء

فنسمعها تقول:

أبنت صخر تلكم الباكية

لا باكي الليلة إلا هيه

وتارة أخرى تنشد:

يؤرقني التذكر حين أمسي

فأصبح قد بليت بفرط نكسي

على صخر و أي فتى كصخر

ليوم كريهة وطعان حلس

وغيرها الكثير من أبيات الشعر التي أنشدتها ولعل أبرزها ما عرف برائية الخنساء التي انشدتها يوما في سوق عكاظ امام النابغة الذبياني وحسان بن ثابت

نصل الأن الى اسلام الخنساء التي اسلمت هي وبنيها وبنو عمها عام ثمانية للهجرة

الاسلام غير الكثير من العادات الجاهلية التي ورثتها الخنساء إلا انها لم تترك رثائها لأخويها بل اصبح من الشائع ان يسمع المسلمون رثاء الخنساء ويثنوا على البلاغة التي تلقي بها

الا ان الاسلام في نفس الوقت ترك أثره في نفس الخنساء وهو مايتجلى في موقفها يوم معركة القادسية حيث انه وكما ورد في اغلب كتب المؤرخين،

خاض اولادها الاربعة واقعة القادسية مع جيش المسلمين ورافقتهم امهم الخنساء وهي تحثهم على القتال والصبر ونصرة جيش المسلمين حتى أتاها خبر استشهاد اولادها الاربعة فلم تجزع ولم تنظم فيهم قوافي شعر إنما اكتفت بمقولتها الشهيرة:

الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم

وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته

توفيت الخنساء سنة 24 للهجرة الموافق 645 ميلادي

لتنهي بذلك قصة امرأة حولت مآسيها الى خوالد في الشعر حتى يومنا هذا

كانت هذه قصة الخنساء الام والاخت والشاعرة و التي علمتنا معنى الصبر عند المصائب وجعل اهوال مصائبنا مصدرا لقوتنا

كما انها ضربت لنا مثلا لمعنى الاخوة والرابط الغير منقطع بين الاخوة

الرابط الذي لم ينقطع مهما جارت الظروف والأيام، قصة لنا فيها عبرة

اقرأ أيضاً… ديرينكويو | مدينة غامضة تحت الأرض، لكن من بناها؟ | حسن هاشم

اقرأ أيضاً… إرم ذات العماد والمدينة الضائعة! | قوم عاد | النبي هود | حسن هاشم

ما هو رد فعلك؟
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى