الربيع الأول – مكة الجغرافيا والتاريخ

الربيع الأول - مكة الجغرافيا والتاريخ
الربيع الأول - مكة الجغرافيا والتاريخ

مكة المكان والمكانة

السلام عليكم ورحمة الله: الجغرافيا هي فعل الله في مكة ، وهي قدرٌ من أقداره، أما التاريخ فهي تفاعل الإنسان في المكان وفي الزمان.

في حلقتنا اليوم سوف نركز على مكة المكان والمكانة، مكة المكان الجغرافي ثم الإنسان الذي صنع من مكة محضناً لرسالةٍ نبويةٍ عالميةٍ خاتمة للرسالات.

أين تقع مكة

مكة تقع في وادٍ يحيط به جبلان متقابلان، فهذا الوادي له بالطبع مدخل وله بالأخر مخرج، وفي منطقة وعرة جداً من جزيرة العرب، صخور بركانية، جبال صعبة.

هذه الطبيعة الجغرافية كان لها تأثير كبير على الأحداث والوقائع التي دارت في هذه القرية الصغيرة النائية عن الحضارة العالمية، في القرن الخامس والسادس الميلاديين.

ولكن الجغرافيا كان لها تأثير على الإنسان، ومن هنا هذا المكان الذي يعتقد بعض المستشرقين لم يكن موجوداً وحتى في مخيلة بعض العرب.

كنت أقرأ اليوم لبعضهم كلاماً غريباً في هذا الأمر، أنه كيف لمدينة أو قرية في مثل هذا الحجم، تؤدي بالنهاية إلى إخراج نبي عالمي، وإلى دعوة عالمية، تسيطر على العالم أجمع؟

كيف بقرية أو مدينة مثل تلك، لا تذكر في كتب التاريخ و الأحافير التي وجدت في مختلف أنحاء العالم؟ أعتقد أن مكة فريدة لماذا؟

مدن العالم المقدسة

المدن الكبرى في العالم كانت في العادة تحضن بالأساس قوى سياسية واقتصادية مؤثرة، ثم تجلب إليها القداسة جنباً.

مثلاً روما كانت عاصمة للإمبراطورية الرومانية فترة طويلة من الزمن، وبعد ذلك لما تحولت إلى المسيحية أسست فيها كنيسة سان بطرس.

وأصبحت قدسية هذه الكنيسة التي تقوم عليها الفاتيكان حالياً، قد جلبت إلى المدينة، بعدما كانت المدينة حاضرةً من حواضر العالم.

القسطنطينية كذلك، كانت بلدة بيزنطة قد اختيرت ليس لقدسية مكانها، وإنما اختيرت لفرادة موقعها الجيوسياسي من قبل قسطنطين لتكون عاصمة من عواصم الإمبراطورية البيزنطية الرومانية الشرقية.

ولكن قدسية ما فيها تم جلبه فيما بعد، بنيت آية صوفيا، وجلبت الأيقونات المقدسة، وأصبح للمدينة وجود مقدس.

مكة الفريدة

مكة فريدة، قدسيتها سابقة على وجودها السياسي والاقتصادي، بل إن قدسيتها تشكلت بفترات طويلة جداً، لدرجة أنه كان فيها البيت والحرم ولم يكن فيها شيء معه بالأساس.

ثم جاءت بعد ذلك قبائل، أتت جرهم ثم خزاعة ثم قريش ذلك مسألة في غاية الأهمية.

وذلك أنها لم تذكر في الكتب التاريخية القديمة أو لم يحفر إسمها في المسلات الفرعونية أو في الفينيقية وغيرها، وهذا ليس دليلاً على عدم وجودها.

لأن ما كان يحفر ويذكر كان دائماً يرتبط بالقائد، أما بالنسبة للجغرافيا، فحمت مكة من القوى العالمية، كالفرس والروم وغيرهم، حتى من قوى إقليمية كالغساسنة والمناذرة والحمريين.

ولكن عزلتها كذلك، فأصبحت مقيمة في جوف هذه الصحراء، بعيدة عن كل هذه القوى، لا يستطيع أن يصل لها أحد بسهولة.

ولكنه لا يعزلها تماماً بل يجعل فيها شيء ما، يؤدي لتواصلهم مع العالم الخارجي، وهذا الذي سنتحدث عنه بعد قليل.

ولكن قبل أن ننتقل من عالم الجغرافيا إلى عالم التاريخ، نقول أن جغرافية مكة هذه التي اختارها الله سبحانه وتعالى لتكون موئلاً لبيته المعظم.

أعتقد أن فيها قدر كبير من التأثير على الإنسان، الإنسان القديم الذي كان يعيش في الوادي الذي غير ذي زرع، كان يعرف أن حمايته صعبة جداً.

لا تستطيع أن تغلق الوادي من طرفين، فالقوى التي تريد أن تهاجم تستطيع في الحقيقة أن تهاجم مكة، وحماية مكة لم تكن متيسرة كثيراً.

تأثير جغرافية مكة

من المستشرقين وبعض المؤرخين يقول أهل قريش لم يكونوا أهل حرب، كان لديهم قدر من الجبن، وهذا ليس صحيحاً، قريش كانت تعرف أن الدفاع عن مكة جغرافياً صعبٌ جداً.

ولذلك في حادثة أبرهة الحبشي على سبيل المثال، أخلوا المدينة، لم يقاتلوا في حروب الفجار الأربع، هزمت قريش في ثلاث منها، لماذا لأن الطبيعة في مكة ليست سهلة.

ليست مدينة كالطائف لها سور يمكن يحيط بها، أو كالمدن الأخرى التجارية الغنية الثرية، التي كانت جغرافيتها تسمح أن تحاط مكة في واد سهل جداً.

إن جئت من رؤوس الجبال أن تنزل إليها وأن تحارب فيها، أو أن جئت من الوادي من طرفيه، يمكن أيضاً أن تدخل إليها.

فهذه أثرت في قريش أن صنعت أدوات دافعية جديدة لقريش غير الأدوات التقليدية في الحروب.

ما هي أدوات قريش الدفاعية؟

الحصافة الفطنة الذكاء الدهاء القدرة على التأثير بكلمة، القدرة على الممارسات الدبلوماسية والسياسة مع قبائل العرب، حتى لا تصل إلى درجة الحرب والصراع المسلح.

لذلك قريش كانت كما يقول ثعلبي كانوا أعقل البرية، وكانوا أحسن العرب كلاماً وكانوا أدهى الناس.

هذه الصفات مهمة لمن يريد أن يسكن مدينة تعتمد على قواها الذاتية، من أجل حماية نفسها، بدل اعتمادها على قوى طبيعية أو قوى صناعية. كالخنادق و الجدران والأسوار لحماية ذاتها.

الأثر الاقتصادي للحج في القرن السادس الميلادي

ننتقل الآن قليلاً إلى مكانة العنصر الثاني بعد الجغرافيا، المهم جداً أن نستحضره في الحديث، عن الأجواء السياسية والاستراتيجية في جزيرة العرب في القرن السادس الميلادي.

كانت أن هذه القرية أو هذه البلدة، كانت تحضن بيتاً معظماً عند العرب في ذلك الوقت، والذي بناه إبراهيم عليه السلام ورفع قواعده مع إسماعيل عليهما السلام.

هذا البيت المعظم كانت تحج إليه قبائل العرب، إبتداءاً بالحج الذي كان طقساً شعائرياً دينياً، يقوم به الناس أسوةً بنداء سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام.

مع زمن تحولت هذه الطقوس الشعائرية التعبدية، إلى طقوس اقتصادية وإلى طقوس اجتماعية وطقوس قبلية.

أصبح هناك بعض الأسواق الصغيرة، يتبادل الحجيج فيها تجارة كل من يأتي إلى مكة، يأتي ببعض التجارة الصغيرة، ثم يبيع ويشتري.

وحاجة الحجيج أيضاً تحتاج أن تكن بعض البضائع متوفرة هذا أعطى دخلاً مالياً لأهل مكة إذا البيت هو عماد الشرعية في مكة.

منزلة قريش بين القبائل

شرعيتها الأخلاقية استمدت من البيت، ولذلك كانوا يطلقون على أنفسهم أهل قريش ” نحن أهل الله وجيران الحرم ” لأن ذلك يعطيهم منزلة أعلى من بعض القبائل الأخرى من قبائل العرب.

قريش لم تكن قبيلة كبيرة العدد، كانت صغيرة في الحقيقة، ولم تكن عميقة كخزاعة، فخزاعة أقدم. على سبيل المثال: قبائل نجد كانت أقدم من قريش، لأن قريش بالأساس حقيقةً ولدت بعد قصي ابن كلاب.

وقصي في الغالب عاش في أواخر القرن الرابع الميلادي، ولا نعرف لقريش وجوداً قبل ذلك بشكلٍ منظم، بينما قبائل العرب القديمة مثل خزاعة كانت تسيطر على الحرم قبل قريش.

وقبائل العرب الكبرى التي كان لها حضور مثل هوازن، كانت ضخمة جداً، تميم كانت ضخمة جداً، قبائل الدوس كانت موجودة.

يعني تاريخ قريش لم تكن تفوق هذه القبائل الأخرى لا عدداً ولا عراقةً، وإنما فقط بشيء واحد أنهم جيران الحرم، وأنهم الذين يقومون على سدانة الكعبة المشرفة.

هذه مسألة أساسية وجوهرية في علاقة قريش بالعالم من حولها وبالقبائل العربية.

قريش والعالم الخارجي

المسألة الثانية المهمة في علاقة قريش أيضاً بالعالم الخارجي، هي ما يتعلق بأن قريش بسبب وجودها في هذا المكان، كانت كما قلت تجلب إليها بعض التجارات.

حتى نهاية القرن الرابع، أي حتى فترة هاشم بن عبد مناف، لم تكن قريش معروفة، إنها مدينة تجارية، لكنه هاشم كما قلنا، هو الذي حولها إلى مدينة تجارية حقيقية.

تجارة عابرة للحدود من خلال الإيلاف، وقعه مع الروم ومع اليمنيين ثم الأحباش ثم الفرس. وجعل منها نقطة عبور لقوافل التجارة.

فأصبحت قوافل التجارة التي كانت بالمناسبة في وقت سابق على مكة، تعبر بالطائف لكن الآن أصبحت بسبب هذا الإيلاف تعبر عبر مكة.

هاشم بن عبد مناف

هاشم كان من أهم الشخصيات التي أثرت في التاريخ المكي، طبعاً جده قصي هو الجد المؤسس، هو الذي جلب قريش إلى داخل مكة، هو الذي بنى دار الندوة.

هو الذي قسم المسؤوليات إلى حجابة وسقاية ورفادة وندوة ولواء، ولكن هاشم بن عبد مناف كان الشخص الذي حول مكة من قرية منسية صغيرة فقيرة، إلى بلدة تعج بقوافل التجارة.

القوافل التي تسافر صيفاً وشتاءاً إلى أصقاع الأرض المختلفة، إلى الجهات الأربع الرئيسية في ذلك الوقت.

وهاشم بذلك بنى من مكة ليس فقط مدينة ثرية أو بلدة على الأقل مكتفية، ولكن أيضاً جلب معها التجارة، الثقافة، التواصل مع العالم الخارجي، أخبار الأمم والشعوب.

لأن القوافل لم تكن تنقل البضائع فحسب، القوافل أيضاً كانت تأتي بالأخبار، وتأتي بالحكايات والقصص وأنواع الطعام، وكثير من الأدوات التي كانت تصنع في ذلك الزمان.

فغدت مكة تعج بالأخبار والحكايات والقصص والتوازنات المختلفة التي تتشكل.

تأثر قريش بالعالم

نعطيكم مثالاً بسيطاً نعرف أن قريش كانت طعامها دائماً بسيط جداً لكن بعد فترة من الزمن أي في نهاية القرن السادس الميلادي يعني في 560 – 570 – 580 ولد النبي صلى الله عليه وسلم.

أي في تلك الفترة موائد قريش كانت حقيقة مليئة بطعام جديد، ورد من فارس ومن بلاد الشام ومن الحبشة، ويقال أن عبد الله بن جعان كان أغنياء قريش الكبار، أقام الموائد.

صارت الناس تأكل على موائد، وكان ينصبها في الطرقات للناس كي يأكلوا، وجاء بالمناديل وبالملاعق ويقال أيضاً أنه جاء بطباخ فارسي في ذلك الوقت.

وبدأ هذا الطباخ يقدم أطباق لم تكن مكة تعرفها، من الحلوى وغيرها، وبالتالي تغيرت قريش تغيراً جوهرياً وأساسياً.

إذن، الجغرافيا التي هي صنع الله عز وجل، وخياره وتقديره، ثم بعد ذلك البيت، وهذه مكانة أعطيت أيضاً لهذه البلدة من الله عز وجل، ثم الإنسان الذي تشكل بناءاً على هذه الجغرافيا.

وفي ظل وجود هذا البيت، أدى إلى تطور بشكل معين ثقافياً وسياسياً.

خاتمة

في المرة القادمة سنتكلم عن قريش، لا من حيث مكانتها الدينية، ولا تجارتها، بل سنتكلم عن سياستها الداخلية وتوازنات القوى القبلية في داخلها.

وكيف أثر ذلك على الرسالة المحمدية في ما بعد، وكيف تفاعلت مع نبأ وصول نبيٍ إلى تلك المدينة، التي كانت تحفل بالتجارة، وتحفل بالمكانة، ولكن كانت تفتقر إلى الرؤية المتصالحة مع الحق. 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وضاح خنفر

ما هو رد فعلك؟
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0

قد يعجبك أيضاً

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.