عبد الرحمن الكواكبي ومقاومة الاستبداد
عبد الرحمن الكواكبي ومقاومة الاستبداد

المقارنة بين كتاب أم القرى وطبائع الاستبداد

محتوى الموضوع

المقارنة بين كتاب أم القرى وطبائع الاستبداد

عبد الرحمن الكواكبي ومقاومة الاستبداد

(المستبد يود أن تكون رعيته كالغنم طاعة، وكالكلاب تذللاً وتملقاً، وعلى الرعية أن تكون كالخيل، إن خدمت وإن ضربت شرست.

وعليها أن تكون كالصقور، لا تلاعب ولا يستأثر عليه بالصيد كله، خلافاً للكلاب التي لا فرق عندها، أطعمت أم حرمت، حتى من العظام.

على الرعية أن تعرف مقامها، هل خلقت خادمة لحاكمها، تطيعه إن عدل أو جار، وخلق هو ليحكمها، كيفما شاء، بعدل أو اعتساف، أم هي جاءت به ليخدمها فاستخدمها)

وهذا كلام عبد الرحمن الكواكبي في كتابه، طبائع الاستبداد، قبل مائة عام، وهذا الذي سنتحدث عنه، وعن عبد الرحمن الكواكبي، وماذا يعني هذا لنا، بعد مائة عام من كتابته، وسيحدثنا عن الموضوع، الدكتور محمد الشنقيطي.

البحث حول عبد الرحمن الكواكبي وكتابيه

سأعتمد على كتابي عبد الرحمن الكواكبي، أم القرى وطبائع الاستبداد، فالذي يلفت النظر، أن الكواكبي، سلك مسلكين مختلفين في الكتابين.

ولكن رغم ذلك نقول، ما قاله العقاد عن الكواكبي: لو اختار مولداً لحياته ورسالته، لما اختار بلداً غير حلب، لأنها كانت تقع في منطقة تقاطع، في قلب العالم الإسلامي القديم.

وهي مدينة سياسية وحساسة، فالكواكبي ولد في تقاطع الزمان والمكان، نهاية العهد القديم، وبداية التاريخ الاسلامي الجديد.

ومن الناحية الجغرافية، كانت حلب هي ثاني أكبر حواضر الدولة العثمانية، وملتقى العالم العربي والعالم التركي، وقلب العالم الإسلامي.

عاش عبد الرحمن الكواكبي، في مرحلة انتقال الدولة العثمانية، وسعيها إلى الاصلاحات البطيئة، وهذا أمر أثار الكواكبي كثيراً، وترك لنا الكواكبي، كتابين مهمين، كتاب أم القرى وكتاب طبائع الاستبداد.

كتاب أم القرى

هو حديث عن مؤتمر متخيل، تخليه الكواكبي، وقد جمع فيه أعيان وقادة المسلمين في العالم، وحتى بعض الأقليات المسلمة، وحضره ثلاثة وعشرون من هؤلاء.

ودعاهم إلى المؤتمر الخيالي، في مكة المكرمة، ليناقشوا ما سماه الكواكبي، الفتور العام في المجتمعات الإسلامية.

والفتور العام، ورد ثمانية وثلاثين مرة، في كتاب أم القرى، وهو الفكرة المحورية، واختار هذا المصطلح، بدل الركود أو الانحطاط أو الجمود.

انتهى المؤتمر إلى تحديد الأسباب، التي أدت إلى الفتور العام، في الحضارة الاسلامية، وبمنهج استقرائي شامل.

أوصل هذه الأسباب إلى ستة وثمانين سبباً، منها أسباب دينية واجتماعية وأخلاقية، ومنها أسباب خاصة بالدولة العثمانية.

جمعية أم القرى

في كتاب أم القرى، سلك الكواكبي مسلك الاستقراء، فهل هو مرحلة تطور في فكر الكواكبي، أم هو تقصد أن يبدأ بالاستقراء، قبل أن يصل إلى منهج التحليل والاستنباط.

وكلا الأمرين وارد، فليس هناك دليل واضح، في كتب الكواكبي، أن هذا تطور فكري، أو قد تعمده، ولكنه سلك مسلك الاستقراء في كتاب أم القرى.

وبعد الاستقراء، انتهى إلى خطة عملية للتغيير، وبهيكل تنظيمي، يحمل هذا التغيير، وانتهى المؤتمر، إلى تأسيس جمعية أم القرى.

وكتب لها نظاماً داخلياً، وقيادة، وهي سرية، مركزها في مصر، ولكن لها أفرع في كل أنحاء العالم الإسلامي، ولها مجلس تنفيذي يديرها.

ومهمتها الإصلاح التربوي والاجتماعي، في العالم الإسلامي، والملفت في تشكيلة الجمعية، أن الكواكبي يدعو إلى أن تتجنب الجمعية السياسية.

وهي مهمة تعليمية وتربوية بحتة، وتحدث عن ذلك بأكثر من مادة، من مواد النظام الداخلي، الذي يظهر من خلال المقارنة بين نصي الكتابين.

أن الكواكبي، اتخذ الحديث عن السياسة، لمجرد التكنيك السياسي، وليس باقتناع، فكانت الظروف لم تنضج بعد.

الجرأة والشجاعة في طرح الأفكار

الأفكار التي طرحها الكواكبي، كانت تتحدى الزمن، والكواكبي من خلال حياته كلها، وكتابيه، نجد أنه رجل من أهل الشجاعة والجرأة، ويؤمن بأن الحياة هي موقف.

وينتمي إلى أسرة عريقة، وهي من الأمور التي أثرت باعتداده بذاته، وضرورة حمل الرسالة.

كتاب طبائع الاستبداد

تحدث عبد الرحمن الكواكبي في كتاب طبائع الاستبداد أن الأحرار هم أهل بذل وهم من نجلاء بيوت لم تنقطع فيها سلسلة المجاهدين

وكان يحب تنغيص الظالمين، رغم ما يؤدي إليه من دفع للثمن، ولهذا أورد في القرار قولاً، قال فيه: قيل لأحد الأباة، ما فائدة سعيك غير جلب الشقاء على نفسك، فقال: ما أحلى الشقاء في سبيل تنغيص الظالمين.

ولاحظ العقاد، أن الكواكبي، جرت عليه نزاهته وصراحته، عداوة أهل العمل النزيه، والقول الصريح، وكما نعرف، أن الكواكبي توفي في ظروف غامضة.

ما يلفت النظر، أن الكواكبي بعد كتاب أم القرى، بالنزعة الاستقرائية، والمنهج العملي، والخطة التي تتجنب السياسة بعد ذلك، إذا انتقلنا إلى طبائع الاستبداد.

نجد رجل مختلف تماماً، بمضمون الرسالة والخطة العملية، فقد انتهى إلى أن كل هذه الأسباب، التي استقرأها من قبل ودرسها، كانت مجرد أعراض.

ما هي أسباب المساوئ في المجتمع؟

وأن السبب الحقيقي الذي ترجع إليه كل أسباب الانحطاط، هو الاستبداد، ولذلك يقول الكواكبي، في بداية كتاب طبائع الاستبداد.

أنه استقرأ أسباب الاستبداد، والفتور العام، على مدى ثلاثين عاماً، وأنه وجد السبب، الذي ترجع إليه الأسباب السابقة وهو الاستبداد.

وحتى المساوئ الأخلاقية والاجتماعية، والسياسية والدينية، التي تظهر في المجتمع، سببها الاستبداد.

ويمكن أن نقول، أن الكواكبي، انتهى من منهج الاستقراء في أم القرى، وانتقل إلى التحليل والاستنباط، من الناحية المنهجية.

فلم يعد يسعى إلى حصر الأسباب، بقدر ما أراد أن يضع يده على اللب، وانتقل من الدعوة إلى السياسية، ولو قارناه بمصلحين آخرين، نجد مسار مختلف.

الكواكبي هو نقيض المسار، الذي سار عليه محمد عبدو مثلاً، فكان يؤمن أن الإصلاح السياسي هو الحل.

مقارنة كتابي أم القرى وطبائع الاستبداد

بدأ الكواكبي مربياً وداعياً، وانتهى منظراً سياسياً، وكانت رؤيته في أم القرى تركيبية، ترى أن أزمة الحضارة الإسلامية، مركبة من ستة وثمانين سبباً.

ولكن في طبائع الاستبداد، حصرها في سبب واحد، هو داء الاستبداد، ولأن كتاب أم القرى سابق، قبل الثاني، اتضح أن الكواكبي، كان لديه وعي مبكر.

فالمسألة سياسية، ولكن لم تكن هي القضية المحورية عنده، إلا في كتاب طبائع الاستبداد، يقول الكواكبي:

وحيث أني قد تمحص عندي، أن أصل الداء هو الاستبداد والسياسية، ودواؤه دفعه بالشهرة الدستورية، وقد استقر فكري لذلك، كما أن لكل نبأ مستقر.

بعد بحث ثلاثين عاماً، بحث أظنه يكاد يشمل كل ما يخطر على البال، من سبب يتوهم فيه الباحث عند النظرة الأولى، أنه ظفر بأهم أصول الداء، ولكن لا يلبث له التدقيق، أنه لم يظفر بشيء، أو أن ذلك فرع لا أصل، أو هو نتيجة لا وسيلة.

المقارنة بين الكواكبي وابن خلدون

بالمقارنة بين الكواكبي، ورجلين بينهما قرابة عقلية وعملية، الأول هو عبد الرحمن بن خلدون، وعبد الرحمن الكواكبي.

إذا صح أنه يوجد في الفكر الإسلامي فلاسفة سياسيون، فهؤلاء هما أهم فلاسفة السياسة، في التاريخ الإسلامي، ابن خلدون في الماضي، والكواكبي في العصر الحديث.

أما وجه الشبه بين الكواكبي وابن خلدون، فهو حديث ابن خلدون، عن دور الظلم السياسي في افساد أخلاق الناس، ويقول ابن خلدون:

إن العدوان على الناس في أموالهم، ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها، لما يرونه من أن غايتها ومصيرها، انتهابها من أيديهم، وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها، انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك، وعلى قدر الاعتداء ونسبته، يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب.

وفكرة انقباض الرعايا، تكاد تكون نفس فكرة الفتور العام، لدى الكواكبي، فالهمم تموت، لأن ثمرة الجهد تضيع بالاستبداد، والأموال التي يتعب الناس بها تبدد أيضاً.

فهذا يؤدي أن لا يكون لدى الناس، دافع للبحث وبذل الجهد، وقضية التملق أيضاً، ويقول ابن خلدون، كلاماً قريباً من كلام الكواكبي.

يقول ابن خلدون، عن إفساد الاستبداد لأخلاق الناس: إن الملك إذا كان قاهراً وباطشاً، بالعقوبات منقباً عن عورات الناس، وتعديد ذنوبهم، شملهم الخوف والذل.

ولاذوا منه بالمكر والكذب والخديعة، فتخلقوا بها، وفسدت بصائرهم وأخلاقهم، وربما خذلوه في مواطن الحروب، والمدافعات، ففسدت الحمية بفساد النيات، وربما أجمعوا على قتله لذلك.

فتفسد الدولة ويخرب السياج، وإن دام أمرهم عليهم وقهره، فسدت العصبية وفسد السياج من أصله، بالعجز عن الحماية، وإذا كان رفيقاً بهم متجاوزاً عن سيئاتهم.

استناموا إليه ولاذوا به، وأشربوا محبته، واستماتوا دونه، في محاربة أعدائه، فاستقام الأمر، من كل جانب.

ابن خلدون ذكي جداً فهو يقصد، أن الدرع الحامي للدول، هو رفق الراعي بالرعية، وتماهي الراعي مع الرعية، وليس استعلاؤه عليهم.

وهذا يشبه كلام ميكيافيلي، فهو الذي لا يؤمن بأي نوع من الأخلاق في السياسة، يقول: إن أعظم قلعة يحتمي بها الأمير، هي قلوب شعبه.

المقارنة بين الكواكبي وحسن البنا

أما الشخصية الثانية التي قارنت بها الكواكبي، ووجدت قرابة بينهما، هو حسن البنا، وعلاقتهما ليست علاقة فكرية، بقدر ما هي عملية.

ولاحظت في كتاب أم القرى، أن الكواكبي استعمل مصطلح الأخوان، ثمانية وعشرون مرة، نسبة إلى المجتمعين في أم القرى.

ومصطلح الإخوان، قبل أن يستعمله حسن البنا، استعمله الكواكبي في أم القرى، لهؤلاء المصلحين، في التنظيم الإسلامي الدولي في مصر السري.

وهذه كلها، أفكار سبق بها الكواكبي حسن البنى، وأعتقد أن حسن البنا، اطلع على كتاب أم القرى، واستعار فكرة التنظيم من الكواكبي، وبعض المصطلحات من التنظيم الخيالي.

حسن البنى حوله إلى واقع عملي، وبهذا المعنى نقول، أن الكواكبي، هو الذي وضع البذرة لمختلف التنظيمات السياسية الإسلامية، التي ظهرت في القرن العشرين.

الإصلاح والحركات الشعبية

تحدث الكواكبي، عن كيفية الاصلاح، والشرارة المفجرة للحركات الشعبية، ورصد الشرارة التي تشعل الحركات على المستبدين، والظلم السياسي بشكل البركان.

والذي يحوله إلى بركان حي الظلم، ويورد نماذج من الحركات، يقول: عقب مشهد دموي مؤلم، يوقع المستبد على المظلوم، يريد الانتقام لناموسه.

ومثال آخر: عقب حرب يخرج منها المستبد مغلوباً، ولا يتمكن من إلصاق عار التغلب لخيانة القوات.

والمثال الثالث: عقب تظاهر المستبد باهانة الدين، اهانة مصحوبة باستهزاء، يلتزم حدة العوام، أي إذا أثار مشاعر الناس، بتحدي الدين فهو سبب للحركات.

ورابع مثال: عقب تضييق شديد عام، ومقاضاة للمال الكثير، لا يتيسر اعطاءه على أواسط الناس، فإن الضغط على الناس، وابتزاز الناس مالياً، يؤدي إلى الحركات الشعبية.

خامساً يقول: في حالة مجاعة أو مصيبة عامة، لا يرى الناس فيها مواساة ظاهرة من المستبد.

سادساً: عقب عمل للمستبد، يستفز الغضب الفوري، كالتعرض لناموس العرض، أو حرمة الجنائز في الشرق، وتحقيره القانون أو الشرف الموروث في الغرب.

سابعاً: عقب حادث تضييق، يوجب تظاهر قسم كبير من النساء، في الاستجارة والاستنصار، مثل ثورة الخبز، في الثورة الفرنسية.

ثامناً: عقب ظهور موالاة شديدة للمستبد، لمن تعتبره الأمة عدواً لشرفها.

وهذه الأسباب هي عميقة، تدل على سعة اطلاع الكواكبي، على تاريخ الثورات، فهناك أسباب تفجرها بشكل تلقائي.

وكان ملم بتاريخ الثورات السياسية، ونفاذ بصيرته، باستخلاص القوانين الحاكمة، لتظاهرات الثورة، وهو لم يحصر شرارة الثورة، لهذه الأسباب فقط.

الأسباب الموجبة للحركات الشعبية

أضاف الكواكبي بقوله: غير هذه الأمور المماثلة، لهذه الأحوال التي يموج الناس فيها بالشوارع والساحات، وتملأ أصواتهم الفضاء، وترتفع فتبلغ عنان السماء.

ينادون الحق الحق، الانتصار للحق، الموت أو البلوغ للحق، وقد قالها جورج ميسون، أحد قادة الثورة الفرنسية: أعطني الحرية أو الموت.

ولاحظ بعض المفكرين السياسيين، أن الحرية تبدأ، عند إيثار الحرية على الحياة، ولاحظ الكواكبي، أن أغلب المستبدين، لا يدعون الأمور تصل إلى حد الانفجار.

إلا إذا كان في الأمر توريط لهم، من بطانة غير ناصحة، يقول مثلاً: إذا المستبد مهما كان غبياً، لا تخفى عليه تلك المزالق، ومهما كان عتياً ،لا يغفل عن اتقانها.

قدم الكواكبي أصول للحركات الشعبية، نوجزها في ثلاثة أصول، بعضها يتعلق بنضج الثقافة الثورية، وبعضها في العامل الخارجي، وأثره على مسار الحركات.

الرؤية الواضحة والعامة

يقول الكواكبي: يجب قبل مقاومة الاستبداد، تهيئة ما الذي يستبدل به الاستبداد، إن معرفة الغاية، لا تفيد شيئاً، إذا جهل الطريق الموصل إليها.

والمعرفة الاجمالية في هذا الباب، لا تكفي مطلقاً، بل لا بد من تعيين واضح، موافق لرأي الكل، أو الأكثرية، التي هي فوق الثلاثة أرباع، أو قوة البأس وإلا لا يتم الأمر.

يدعو الكواكبي، إلى ضرورة وجود ثقافة ثورية واضحة، تؤمن بها غالبية الشعب، والقوى النوعية، في المجتمع.

الخطة الواضحة والتوافق بين الحركات

والأصل الثاني، الذي يدعو إليه الكواكبي، هو التوافق بين الحركات، أي تعيين المطلب والخطة، بشكل واضح لرأي الكل كما قلنا.

فخلاف الخطط، وتضارب الاستراتيجيات، مهلك للحركات الشعبية، وهو لا يدعو فقط إلى الإجماع على الغاية، وإنما على الإجماع على الاستراتيجية الواضحة.

نشر الوعي

والأصل الثالث، هو نشر الوعي بين جماهير الشعب، بفضائل الحراك الشعبي، ومساوئ الاستبداد، ولا بد من إظهار ذلك، وإقناع عامة الناس.

ونضيف أن الكواكبي، يتحدث عما تدعوه الدراسات المعاصرة، بالكتلة الحرجة، فلا بد أن تكون هناك كتلة اجتماعية ضخمة، تؤمن بهذا.

الكواكبي ليس طلائعياً نخبوياً، في نظريته السياسية، على عكس منظرين آخرين، تعاملوا مع الجماهير بالاستعلاء.

الشعب القوة الجبارة

ويرى الكواكبي أن عامة الشعب، طاقة جبارة، وتوصل إلى أن الجماهير، هي وقود الحراك، وحصن المستبد، فجيب أن يكسبها إلى صفه.

وقد تردد رأيه هذا في الكتابين، أم القرى وطبائع الاستبداد، ففي الأول يقول الكواكبي: والعامة من إذا علموا قالوا، وإذا قالوا فعلوا.

ويكاد يكرر نفس العبارة، بشكل أكثر تفصيلاً، في الكتاب الثاني يقول: من هم العوام؟ هم أولئك الذين إذا جهلوا خافوا، وإذا خافوا استسلموا، وهم إذا علموا قالوا، وإذا قالوا فعلوا.

ورتب الكواكبي هذه الأصول، ترتيب تصاعدياً، يبدأ ببناء الوعي العام، من خلال ما يسميه تنبيه حس الأمة، بآلام الاستبداد.

مروراً بالبناء النظري، للنظام السياسي البديل، عبر البحث في القواعد الأساسية، للسياسة المناسبة، وعندما تثمر هذين المرحلتين، يبدأ العمل على الخطة العملية والمقاومة.

الوعي والنضج الفكري

لا يمل الكواكبي من التأكيد والتشديد، على أهمية الأفكار، فإن الفقر الفكري، هو كارثة، والحراك الشعبي، هو في أمس الحاجة إلى أفكار واضحة.

وهو لا يقبل الارتجال والاستعجال، في مسألة التحضير الفكري والأخلاقي والنفسي، وبناء القاعدة النووية الصلبة لها، فهذا الوضوح النظري، قد يستغرق زمناً طويلاً.

ولا تكفي فيه فكرة ساعات أو فطنة آحاد، بل يحتاج الأمر، انضاجاً هادئاً طويلاً، والأولى أن يبقى ذلك، تحت مخض العقول، سنين حتى ينضج تماماً.

الطامع الأجنبي

سنتحدث عن مسألة لم ينتبه إليها، أي من الكتاب المعاصرين، وهي الحراك الشعبي، والطامع الأجنبي، وكيف يتلاعب به، ويحوله إلى حرب عدمية، واستنزاف للذات.

يقول الكواكبي: فتستولي على البلاد، وتجدد الأسر على العباد، بقليل من التعب، فتدخل الأمة في دور آخر، من الرق المنحوس.

ونرى أن الكواكبي هنا، كان يستحضر الثورة العرابية في مصر، واستغلال بريطانيا لها، من أجل احتلال مصر، بعدها بعام، وقد كانت ثورة، أدت إلى الخلخلة وفتح الثغرات.

وبعد تحقق شرطي الوعي، وعدم تدخل الطامع الأجنبي، سيخضع الطامع الأجنبي، إلى الاصلاح الوقائي، أو  يواجه الزوال على يد الشعب.

ويقول الكواكبي، واصفاً الفرق بين الثورة المحكومة، بقوانينها الذاتية، والثورة التي يستغلها الطامع الأجنبي، لتحقيق مأربه يقول:

إما أن تغتنم الفرصة دولة أخرى، فتستولي على العباد، وتجدد الأسر، فتستولي على البلاد بقليل من التعب، فتدخل الأمة في دور آخر من الرق المنحوس، وهذا نصيب الأمم العربية.

وهذا يساعد على عدم وجود الأجنبي، وتكون الأمة قد تأهلت، بأن تحكم نفسها بنفسها، فيمكن أن يكلف لعقلاء الأمة، أن يكلفوا المكلف ذاته، بترك أصول الاستبداد.

واتباع القانون الأساسي، الذي تريده الأمة، والمستبد الخائر القوى، لا يسعه ذلك، إلا الاجابة، وهذا أفضل ما يصادف، وإن أصر المستبد على القوة، قضوا بالزوال على دولته.

وأصبح كل منهم راعياً، وكل منهم مسؤول عن رعيته، وأصبحوا آمنين، لا يطمع فيهم طامع، ولا يغلبون عن قلة، كما هو شأن كل الأمم، التي تحيى حياة كاملة حقيقية.

لمحة عن خلفية عبد الرحمن الكواكبي

الكواكبي قدم في كتابي أم القرى وطبائع الاستبداد، تشخيص دقيق لداء الجمود والركود، في الحضارة الإسلامية، والذي عبر عنه بمصطلح الفتور العام.

والطريف في شخصية الكواكبي، أنه ينتسب إلى اسماعيل الصفوي، فهو جده من جهة الأم، وإلى النقيب، فأصوله تركية، وهو من آل البيت والأشراف.

ثقافته كانت ثقافة عملية، فقد عمل أعمال مختلفة، من التجارة إلى الصناعة، إلى محاولة كتابة معاريض للسلطة، وشارك في أعمال كثيرة.

وأجاد اللغة التركية، وعاش فترة في اسطنبول التي كرهها، وقال: المدينة التي لا نذكرها، وموقفه من الأتراك متشدداً جداً، بسبب الاستبداد.

تحليل أفكار الكواكبي في كتبه

وكتاب مثل طبائع الاستبداد، هو نتاج سنين من الاقتباس والقراءة، وهو يعترف، بأن فيه اقتباسات، ولكن اللغة والصياغة، كانت من عمله.

استفاد من الكثير من المؤلفين، وقضية كتاب أم القرى، هل هو مؤتمر حقيقي أم خيال، هناك من يقول نعم، ولكن في تاريخ حياته، قد مر على مدن كثيرة.

وبعض كتبه ونصوصه، أنه لم يصل إلى جمع الناس، ولكنه حاول بشكل عملي وفكري، والقضية الأخرى في الكواكبي.

أن نصوصه، ليست من النصوص التي يسهل الحديث عنها، بمقدار الاطلاع وقراءتها مباشرة، فهي من النصوص، التي لا يمكن نقلها للناس، وتلخيصها.

فأي مثقف مهتم، لا بد أن يقرأهما، ويفهم كل الحديث، فهو يتحدث عن قضايا النفس، والمجتمع، والأحوال المتغيرة.

في مسألة مظاهرات النساء، فالذي حصل، أنه أرسل رسالة إلى زوجته، أن تجمع النساء ويتظاهرن ضد الحاكم، فهو أول من أخرج النساء في حراك شعبي.

العلمانية والحس بالمسؤولية

وفي كتابات الكواكبي، هناك مسألة العلمانية، وهي غير صحيحة، فقد تأسس في مدرسة شرعية، وهو يفصل من ناحية السلطة الدينية، والإدارية في نصوصه.

ولا يتعرض إلى قضية تعطيل الحدود، وأحكام الشريعة، بل كتبه مليئة بأمور الإسلام، وبالتالي اقحام العلمانية عليه، هي غير صحيحة.

وفكر الكواكبي كان يمثل فكر المرحلة، التي كانت قائمة على الإحساس بالمسؤولية، وما يمكن أن يكون، والاهتمام بتاريخ الأمة ومجدها.

بدلاً من كل الكتابات التي جاءت بعده، التي كانت ردات فعل على الإستعمار، أو الأنظمة الحاكمة، ويتميز فكر عبد الرحمن الكواكبي.

بأنه عملي، ولكنها مؤسسة بأصول نظرية، ولكن تلك الأصول، سبقت التجربة العملية كما ذكرنا، وقد افتقدنا العلوم التي تتدارس الاستبداد السياسي.

فكر الإصلاح الديني

تجربة حسن البنا، كانت خاصة بالتجارب الإسلامية، مثل الجمعيات الإسلامية، التي نشأت في بداية القرن العشرين، وحتى أن مصطلح الأخوان، مرتبط بجماعة الصوفية.

وهناك ملاحظات فيما يتعلق بكتاب أم القرى، فكان الهاجس الطاغي في مجتمع، يلعب فيه الدين دور أساسي في تلك المرحلة، كان هو اشكالية الإصلاح الديني.

وقد تأثر بأفكار فلاسفة غربيين كثر، وجعله يعرج على مسألة الإصلاح الديني، فالغرب بنى نهضته، وانفصاله عن العصور الوسطى.

ونتصور أن هذا كان هاجسه الأساس، في أم القرى، وفيما بعد، تحدث في طبائع الاستبداد عن الإصلاح السياسي.

وهناك هاجس دعا من خلاله الكواكبي إلى الفصل، بين الممارسة السياسية التي يحكمها منطق النسبية، والتغيير واختلاف الرأي.

وبين القضايا الدينية، التي ينبغي أن تكون بالاتفاق والإجماع، ومصطلح العلمانية لم يكن متداولاً حينها، في بداية القرن العشرين.

فكر الكواكبي والصوفية

البراديغم الذي بناه التيار الإسلامي والسلفي، مختلف عن البراديغم، الذي تحدث عنه عبد الرحمن الكواكبي، وقد تحدث عنه قبلاً ابن خلدون.

وعند حسن البنى، نجد أنه هناك تغييب شامل عن الكواكبي، ولا ابن خلدون، نجد حديث عن المصلحين والمتصوفة.

ويلاحظ في أم القرى، تشنيع الكواكبي على مجموعة من المرجعيات، ذات النفس الصوفي، ويتهم العثمانيين، بأنهم هم الذين شجعوها ونشروها.

ونفسه القومي كان واضحاً، وقد غطاه بأطروحة الخلافة القرشية، وفيما بعد، أصبح واضحاً، وانتقل لحضور البعد العربي.

والدليل، عند تأسيس جمعية أم القرى، وبأن مقرها، يجب أن يكون في مصر، وليس الأستانة، وليس اسطنبول.

صفة الاستبدادية عند الكواكبي

ولو كتب غير الكواكبي، مثل هذه الكتب، لا تجد روح الكواكبي، التي هي معبرة أحسن تعبير، فهو كان شريفاً عال النخوة، ولا يرضى بالرضوخ إلى أي أحد.

وفيه صفة استبدادية في سلوكه، فكان أكثر ما عاب عليه بعض من يحبه، ينتقد طريقته، أنه كان يؤمن بالطفرة، لا بمراحل التجديد.

وفي تصرفاته الكثيرة، شيء من الاستبدادية، فعندما تعاون مع شركة التبغ، اشترط عليهم أن لا يتخذوا أي قرار، إلا عبره وبموافقته.

وهناك دراسات كثيرة، كتبت عن عبد الرحمن الكواكبي، وقد وصل الكواكبي إلى ساحة الوعي العام في الأمة، وبعض الدراسات لخصت حياته وكتاباته.

رأي المفكرين في الغرب عن الكواكبي

ولكن يلفت النظر، أنه في الغرب، الذين كتبوا عن الكواكبي، هما كاتبان يهوديان، سليفيا قدوري وهي أستاذة في جامعة اوكسفورد.

في رسالتها للدكتوراه 1953 بعنوان أفكار عبد الرحمن الكواكبي، في سياق اتجاه الفكر العربي الإسلامي.

وإسحاق وايزمن، في كتاب الإصلاح الإسلامي والأحياء العربي، والذي تضمن دراسة عن عبد الرحمن الكواكبي.

وهناك الجدل حول العلمانية، ولكن كلام جان دايا، هو عبارة عن دعاية ايديولوجية لا أكثر، وإلا فالكواكبي عميق التصور الإسلامي، مع وجود ميول أوروبية عادية.

واسحق وايزمن، يتحدث أن تشكيل الإخوان المسلمين، هي من فكرة عبد الرحمن الكواكبي، وهذا لا يمنع من تأثر البنا، بالطرق الصوفي.

ولكنه كان لم يترك شيئاً من أعمال رشيد رضا، إلا واطلع عليها، وعلى مجلة المنار، التي فيها مادة ضخمة عن الكواكبي، وعن كتابه أم القرى.

الاستبداد السياسي هو أساس الفتن

والجوهر السياسي للأزمة، والذي يلفت النظر بالكواكبي، أنه توصل بعد وفاة شهرستاني، إلى خطوة أبعد في التحليل، من الشهرستاني.

الذي لاحظ سيف الإمامة المسلط، على رقاب الأمة، أما الكواكبي، فادرك أن الاستبداد السياسي، هو سبب الفتن.

ويقول أن الاستبداد أعظم بلاء، لأنه وباء دائم بالفتن، وحتى يتحدث عن صراعات المسلمين السياسية، يقول:

تشاجروا في الخلافة والملك، وانقسموا على أنفسهم، يقتل بعضهم بعضاً، وتفرقوا في الدين، لتفرقهم في السياسة.

الدين المطلق والسياسة

والفصل بين الدين المطلق والسياسة، نعتقد أنه قد يكون هناك شيء من المغالطة الذهنية، لأن التفسيرات الدين في الإسلام، هي نسبية.

والمشكلة هي المنظور المسيحي، الذي يستنبطه الكتاب، مثل مجامع كنسية، تصدر حكم باسم أنها استلمته عن الروح القدس.

فلا توجد حدود بين الدين المطلق المغلق، وبين السياسة، بالنسبة للعمل، ففي النهاية هو كسب بشري، حتى لو استند إلى الوحي، فلا قدسية في نهاية المطاف.

وأيضاً الكواكبي كانت قوميته، هي جزء من اسلاميته، وحتى موقفه من الأتراك أحياناً، يصل إلى العنصرية.

ولكن في نفس الوقت، تجد في بعض كتاباته، حرصاً على الدولة العثمانية، باعتبارها سقفاً للدول، وأصبحت عبئاً على الأمة، ولم تعد قادرة على القيام بوظيفتها.

وأقول أننا لا نرى مسوغ لطريقة الكواكبي شبه العنصري من الترك، ولا لمداهنته للاحتلال الأوروبي، ولا نعلم تفسيراً لهذين الموقفين.

وعموماً، يظل عبد الرحمن الكواكبي، بعروبيته واسلاميته، حاملاً هم الأمة، ليس العربية فقط، وإنما الأمة الاسلامية بشكل عام.

أسماء المشاركين في مؤتمر أم القرى

ونذكر أسماء الجماعة، الذين جمعهم في مؤتمره الخيالي، أم القرى لكي ترى اتساع باع اهتمامه، بالعالم كله، وقد جعل لهم أسماء رمزية:

السيد الفراتي وهو الكواكبي نفسه، الفاضل الشامي، البليغ المقدسي، الكامل الاسكندري، العلامة المصري، المحدث اليمني، الحافظ البصري، عالم النجدي، المحقق المدني، الأستاذ المكي.

الحكيم التونسي، المرشد الفاسي، السعيد الانجليزي، المولى الرومي، الرياضي والكردي، المجتهد التبريزي، العارف التتري، الخطيب القازاني، المدقق التركي، الفقيه الأفغاني، الصاحب الهندي، الشيخ السندي، الإمام الصيني.

عبد الرحمن الكواكبي حامل هم الأمة الاسلامية

عبد الرحمن الكواكبي، كان مثالاً للمثقف، الذي يعيش هموم أمته، وكان يعيش فعلاً، اشكالية المجتمع العربي والاسلامي، والذي يقرأ كتابيه، يلاحظ أنه مهموم بأسئلة النهضة.

وأنها مثالاً لصاحب الضمير اليقظ، وهناك نزع عند بعض الايديولوجيين، لتملك كل العقول في التاريخ الإسلامي، وأقوام ظهروا وتحدثوا، عن أن الصحابة اشتراكيين.

وقضية القومية، فإن الكواكبي جاء قبل الانشقاق الهائل، الذي وقع داخل الأمة، بين الإسلاميين والقوميين، وقبل فترة السجون، وأوصل الأنظمة القومية العلمانية إلى السلطة.

والملاحظة الأخيرة، هي لم لا يستفيد الناس من فكر الكواكبي في وقته، هنا نتذكر كلام مالك بن النبي، عن ابن خلدون، فأفكار ابن خلدون، لم تجد أفق تداولي طبيعي، وأفق يفهمها.

وأن أي فكرة، مهما كانت عبقرية، تحتاج إلى أفق يقدرها ويفهمها، مثل الحرية السياسية، أما في مجتمع أمي معزول، وأفكار الكواكبي، جاءت متقدمة قبل وقتها.

 

النشرة البريدية
Ads
التعليقات
كافة التعليقات.
التعليقات