تعليمصحة

مراحل تجارب وإنتاج الدواء




هل الأدوية أمنة أم لا؟

هل الأدوية أمنة أم لا؟

أهلاً بكم حلقتنا اليوم تهمك، تقابلها كل يوم في حياتك، تشتري بانادول، تشتري مضاداً حيوياً، تشتري حبة للمعدة، وحبة للمغص، الدواء شرب أي شيء.

أنت تعلم أن هذا الدواء كي يصلك، تشتريه من الصيدلي وتأخذه. لكن هل تعلم كم من المراحل مر بها ليكون آمناً، ومسموح له أن يصل لك بكل اطمئنان، وإلى أي حد هو آمن وجيد لك؟

أنا محمد منصور وهذه قناة الدكتور.

تمهيد عن الدواء من أين يأتي

أنا أحب الأعشاب ومقتنع بأهمية الأعشاب لأن أغلبية الأدوية من الأعشاب، لكن هل معنى هذا أن نتناول الأعشاب بكثرة لأنها جيدة ونجرب بأنفسنا بطريقة عشوائية؟

هل تعلم أن الكثير من الأدوية يتم استخراجها من سموم الثعابين، ومن نباتات سامة وأشياء أخرى مميتة؟

مرض ضغط الدم الذي يموت به الكثير من البشر كل سنة، واحد من أشهر وأكثر الأمراض انتشاراً في العالم.

ويسبب كثير من الأمراض من أمراض القلب والجلطات كلها بسبب الضغط

إن أشهر دواء ومجموعة أدوية تعالجه ماذا تدعى؟ إنها مجموعة تدعى S Inhibitors والتي هي أهم مادة فيهم كانت تدعى كابتوبريل.

وهذه أكثر أدوية تباع في الأسواق، ويمكن أن كابتوبريل لم يعد يستخدم كثيراً لكن نظائره يتم بيعهم ليلاً نهاراً.

الكابتوبريل في الأصل مصنوع من سم ثعبان، يقرص ويميت ضحيته بخفض ضغط دمها بشكل قوي، فمن يتم قرصه فإن ضغط دمه سينخفض ودورته الدموية تنهار ويموت.

لكن إن أخذنا من هذا السم جزءاً بسيطاً، وتم التعديل عليه كيميائياً بشيء يسير، حينها سوف يعالج ضغط الدم، وفعلاً هذا من أشهر الأدوية في العالم.

فهل هذا يعني أن نقوم بتناول سم الثعابين لأنه يعالج الضغط؟ وذات الفكرة مع الأعشاب.

أسمعت بتسمم الفسيخ؟

الفسيخ هو نوع من أنواع السمك، يقوم المصريون بوضعه في أكياس أو في الرمل أو تحت الأرض ليتعفن وينتن تماماً، وعندما تصبح السمكة عفنة ونتنة يقوم بعض الناس بتناولها.

المشكلة أن هؤلاء الناس يتناولونها في وقت معين من السنة، ويصبح لديهم تسمم ويموت منهم العديد.

كيف يموت الناس بتسمم الفسيخ؟

السمكة عندما تتعفن زيادة عن اللزوم يصبح بداخلها نوع من البكتيريا لها حويصلات تصنع مادة اسمها بوتيولينوم توكسيرين.

بوتيولينوم توكسيرين هي سم يميت الضحية الذي تناول كمية كبيرة من الفسيخ المتعفن، بأن يشل عضلاته وجهازه التنفسي وعضلات العين ويشل عضلات البلعوم ويتوقف عن البلع فيموت الإنسان.

البوتوكس

حقن البوتوكس التي نسمع عنها كثيراً هي سم الفسيخ. وهي تستعمل في علاجات كثيرة جداً.

فلو أن أحدهم لديه حول في عينيه لأن أحد عضلات عينه تشد أكثر من العين الأخرى، يتم حقنه بالبوتوكس فترتخي العضلة المشدودة وتتحسن عينه.

أحدهم لديه مريء منقبض أو ضيق لا يستطيع بلع الطعام، وهو أحد الأمراض التي تعالج بحقنة بوتوكس، فهو نوع من تضيق عضلة المرئ، يحقن بإبرة البوتوكس فتفتح العضلة.

طبعاً سمعنا عن البوتوكس في التجميل وعن الإعادة للشباب بحقنه حول العين وبكل العضلات فتعود جميلة وشابة. فنجد أنه حتى سم الفسيخ يستخرج منه الدواء.

فلو جاءك شخص وقال لك أن تتناول بعض أنواع الأعشاب كالشمر مع الزعرور أو مع عشبة كذا واخلطهم مع بعضهم البعض وهذا سيعالج لك قلبك، فلا تصدقه.

قصة تقريبية للواقع

وأنت تسير في حديقة رأيت شجرة عالية وعليها شيء أحمر، وأنت لديك صداع شديد فمددت يدك وأخذت الشيء الأحمر وتذوقته وبعد عشرة دقائق ذهب الصداع عنك.

هكذا أنت اكتشفت دواءً جديداً وتسميه حمراء مثلاً، وتكتب في كتاب تؤلفه عشر صفحات عن فوائد الحمراء، وكيف هي تعالج الصداع وجيدة للقولون وتمنع سرطان البروستاتا.

وهذا الكلام كان قديماً ما يحدث، بينما حالياً، نقول أن حمراء التي اكتشفتها لا ينفع أن تكون علاجاً بدون إجراء التجارب عليها.

فربما الصداع سببه نزيف في المخ، وعندما تناولت الحمراء هذه، ما حدث أنها سكنت آلام العصب فذهب الصداع لكن النزيف ما زال موجوداً، وسيستمر حتى تموت، بذلك تكون حمراء قتلتك.

أو يمكن لا يوجد نزيف أو ما شابه، وأنت لديك صداعاً عادياً، لكن عندما تناولت منها سكنت الصداع بأن أماتت العصب مثلاً أي قتلت خلية عصبية.

وعندما تتناول منها على فترة، فبهذا ستصاب بالخرف والعته كالزهايمر، فيكون الصداع قد ذهب لكنك أصبت بالعته.

ويمكن أمر آخر، وربما الصداع بسبب ألم في الأسنان، وأنت أخذتها فعلاً سكنت الصداع، لكن عندما تأخذ منها لعشرة سنوات تكون لها خاصية تعمل تسبب نوعاً من سرطان الدم مثلاً.

إذن، الموضوع ليس أن أجد عشبة وأعطيها للناس لتحسن مرضهم وأقول أني اكتشفت علاجاً.

الغاية من الدواء

الدواء الذي تشتريه من الصيدلية كالبانادول، مرت عليه عدة مراحل حتى يصل إليك ليصبح في متناول اليد وتستطيع أنت أن تشتريه.

كي نكتشف دواءً جديداً يجب أن نحدد الهدف، ما الذي سيعمل عليه هذا الدواء هل لدي بكتيريا أريد أن أقضي عليها، وليس لها علاج قوي؟

هل لدي فيروس انفلونزا أو حمى نزفية أو أي مرض فيروسي أريد علاجه، أم لدي خلية سرطانية أريد قتلها، أو لدي مستقبل على الخلية من خارجها؟

أنا حددت على ماذا سأعمل، فما هو الهدف الذي سأعمل عليه؟ ما هو المصدر هل هو من النباتات؟ مثل دواء باسكوبان للمغص؟ أم سأعمل على مصدر حيواني مثل إكزيناتايد لعلاج السكر؟

ودواء السكر هذا بدأ ينتشر آخر عشر سنوات والذي يستخرج من لعاب حيوان زاحف يدعى غيلا مونستر .

أم أني لا أريد أن أعمل على أي منها، بل أريد أن أصنع مركباً كيميائياً سأركب مواداً مع بعضها، بتركيب عناصر وجزيئات وأصنع منها دواءً؟

كيفية تصميم الدواء

أشهر طريقة لاكتشاف الأدوية حالياً هي HTS أو High Through boot screening وهو نظام كمبيوتر يحسب معادلات للأدوية لتعمل على المواد وكيف يعمل عليها ويعدل ويضيف.

يخترع احتمالات أدوية، فيمكن كل لحظة يقوم باختراع احتمالات لأدوية تعالج آلاف الأمراض. هل نجحت هذه الطريقة لا نعرف حتى الآن؟

لكن ما هو الدواء الذي سنبدأ بتجربته؟ في هذه المرحلة يكون لدينا تقريباً لكل هدف نعمل عليه يمكن لهذه البرامج أن تعطينها خمسة أو عشرة آلاف احتمال لدواء يمكن أن ينفع.

فيتم تجربة كل واحد من هذه الاحتمالات على حدة بدراسته بأربعة مراحل:

الامتصاص

عندما تدخل هذه المادة الجسم كيف يتم امتصاصها.

التوزيع

ومن ثم كيف تتوزع في الجسم. في أي نوع من الخلايا، وأي عضلات وكيف تسير في الدم وكم تحتاج .

التكسير

أين تتكسر في الجسم وما يحدث لخلايا الكبد والكلى أو ما يسمى Metabolism .

الخروج

كيف تخرج المادة من الجسم، في البول أم في البراز أم في العرق أم تتكسر داخل الجسم وما يحدث لها.

هذه المراحل الأربعة لكي نعرفهم يمكن أن نجرب على خلايا في المعمل، ويمكن على حيوانات تجارب أو على برامج محاكاة على الكمبيوتر.

وهذه البرامج تحسب كيف سيكون تأثير الدواء على أعضاء الجسم، وماذا سيحدث للدواء وكم سيبقى منه في الدم، وكم سيبقى منه في الجسم ككل وهكذا.

بعد أن نتعدى مرحلة تجربة العشرة آلاف دواء، كي نصل إلى الهدف وهو الفيروس الذي أريد علاجه في البداية، يبقى مثلاً خمسة أو ستة أنواع من الدواء الذي سيتم تجربته.

مراحل تجربة الدواء

شركة الأدوية التي قامت بهذا المجهود يصبح مسموحاً لها أن تقدم طلباً لترخيص هذه الأدوية للجهة المختصة.

فمثلاً في أمريكا FDA أشهر مؤسسة في العالم، وطبعاً يوجد في أوروبا وكندا مؤسسات مماثلة، وبقية الدول كذلك، لكن FDA أشهر مؤسسة.

فستقدم طلباً للمؤسسة لتجربة الدواء الجديد، فتنظر المؤسسة في البيانات عن الدواء، ما سيستهدفه وما هي التجارب المعملية وشكل الدواء وخطورته، ومن ثم تعطي الموافقة.

ثم تبدأ المراحل الأربعة الخاصة بالتجارب على الدواء

متطوعون سليمي الجسم

سنبدأ بالتجربة على عشرات المتطوعين السليمي الجسم، والذين ليسوا مصابين بالأمراض كي يتحملوا المرض.

والهدف أن نعرف هل الدواء آمن، وما هي الجرعات التي يجب أن تعطى للمريض؟

فيبدأ بتزويد الجرعات، بالغرامات لمراقبة ما أقصى جرعة يمكن أن تسبب أعراضاً، مثل الإسهال الشديد إن كان يعالج الإمساك مثلاً.

الموضوع ليس بتلك السهولة لكن هذا مثال للتوضيح، وفي هذه المرحلة تراقب الآثار الجانبية للدواء، فهل يسبب الغثيان أو طفح جلدي، أو غيرها.

متطوعون مرضى متوسطي العمر

المرحلة التالية هي التجربة على مئات المرضى المتوسطي السن، وليس لديهم أمراض أخرى، فمثلاً سيتم تجربة دواء للسكر، فلا يجب التجربة على أشخاص لديهم أمراض ضغط وقلب ومثانة وإلى آخره.

فلتعالج مرض الأعصاب يحضرون أشخاصاً ليس لديهم سوى مرض التهاب الأعصاب وسنهم ليس كبير. ويتم التجربة على مئات المرضى، بين 500 و 600 شخصاً.

في هذه المرحلة يتم مراقبة الدواء، هل يعالج المرض؟ وكم يريح المريض؟ وكم ستكون الجرعة العلاجية الصحيحة؟ وفي نفس الوقت يتم مراقبة الآثار الجانبية.

ويمكن إيقاف الدواء في أي مرحلة من المراحل إن ظهرت آثاراً جانبية خطيرة. وتنهار التجربة ويتم توقف الدواء.

وهذا يحدث كثيراً، فيمكن أن كل يوم تتم تجارب على آلاف الأدوية، ويتم إيقاف الكثير منها في أحد المراحل بسبب آثار جانبية.

وفي الغالب في هذه المرحلة يتم تحديد الجرعة المضبوطة للمرضى والتي هي النتيجة المرجوة.

تجربة الدواء على مرضى بأعمار مختلفة

في هذه المرحلة يتم تجريب الدواء على آلاف او عشرات الآلاف من المرضى بكل الأعمار والأمراض المركبة وفي كل بلاد العالم وكل شيء.

فيمكن بعد هذه المرحلة أن يتم بيع الدواء، فيجب أن يتم تسجيل كل شيء من آثار جانبية ومشاكل، وفي هذه المرحلة يتم كتابة النشرة التي نجدها في علبة الدواء.

من بداية الآثار نادرة الحدوث وحتى القليلة الحدوث، وحتى الكثيرة الحدوث، وموانع الاستعمال وكل شيء يتم تسجيله.

لم يتم القيام بكل تلك المراحل؟ ما دامت تتشابه؟

لنفترض أنه تمت تجربة الدواء الذي جربناه على الكمبيوتر أو على عشرات الأشخاص، ووجدناه يعالج الإمساك مثلاً، نقوم بتحربته على عشرات الآلاف.

ولكن بعد أن يتم تجربته بعد عدة أشهر يظهر أن الدواء سبب ضعفاً جنسياً للرجال مثلاً، بسبب دواء يعالج الإمساك، فالأمر ليس اعتباطياً.

بل بالتدريج خطوة بخطوة، من الأقل إلى الأكثر، من السليمين إلى المرضى، من الناس الذين لا يعانون أية أمراض والمختارون بعناية، إلى الذين لديهم مرض واحد، إلى الناس الذين لديهم كل الأمراض.

وفي النهاية هناك أدوية تفشل في أحد المراحل ويتم إلغاؤها.

منح الترخيص

بعد انتهاء المرحلة الثالثة بنجاح، يأتي دور الشركة أن تقدم لمؤسسة FDA طلب منح الترخيص للدواء، الذي تم تجربته على مدار سنوات ليتم طرحه للبيع.

الجهة المانحة تدرس الأمر، فيمكن أن تقول أنك لم تجرب الدواء على مرضى القلب الذين لديهم مشكلة في الصمام الفلاني.

أو الدواء كانت نتائجه جيدة، لكن الأشخاص الذين يعانون من التهاب الأعصاب، الدواء أظهر لديهم مشاكل معينة، فادرس العينة ثانية أو ترفض خروجه لأن الدواء ظهر أنه خطير.

لكن لنقل أن الدواء نجح، وكل التجارب جيدة والآثار الجانبية قليلة جداً، والدواء حل المشاكل التي من المفروض أن يحلها.

مراقبة الدواء

هنا الدواء سينزل السوق ويباع في الصيدليات، ويتم السماح للأطباء بكتابته للمرضى. لكن منذ اليوم الأول الذي سينزل فيه إلى السوق إلى أن ينتهي التعامل به يتم مراقبته وترصده يومياً.

فأي طبيب أو صيدلي أو ممارس صحي وعلاج طبيعي أو ممرضة أي شخص في المجال الطبي، وجد أثراً جانبياً حدث لمريض بسبب الدواء، عليه أن يبلغ عن ذلك لشركة الدواء أو يبلغ FDA أو مثيلاتها.

وكثير من الأدوية لديه قصص مماثلة، بعد أن يتعالج بها الناس لسنوات يتم توقيفها، لأنه تم اكتشاف أنها تؤذي مثلاً الحوامل بعد عدة سنوات، أو أنه يزيد من سرطان المثانة أو احتمال قيامه بذلك.

أو أن الدواء الذي يتعالج به مرضى الصرع، أصبح لديهم نوبات صرع زيادة فيمنع. أو حتى لمجرد تحذير من مشكلة يمكن أن تحدث، فيتم توقيفه أو سحبه تماماً من السوق.

هل يقوم أحد بالتعامل بالمثل مع الأعشاب التي يتم المعالجة بها ويقال أنها أمنة؟ وتعالج بدون أن تؤذي؟

هل من أحد يراقب هذه الأمور؟ هل يبلغ أحد عن أي آثار؟ لا يوجد.

خاتمة

إن الدواء الذي ستتناوله منذ بداية دراسة شركة الأدوية له وبرنامج الكمبيوتر الذي صممه، تفكر في استعمال أي نبات لتعالج به، ولحد ما يصبح في الصيدلية ليباع لك يمكن أن يستغرق  15 سنة.

الموضوع صعب جداً ومكلف جداً، فيمكن لشركة الأدوية أن تصرف مليار دولار لتنتج دواءً، طبعاً هي تتوقع أن تكون أرباحه بالمليارت، لكن هناك الكثير من الأدوية تفشل بدون أي ربح.

لم نقول كل هذا؟ كي أشرح لك المجهود والمصاريف التي تبذل ليصل إليك أنت، فأنت الشخص المريض الذي يبذل كل شيء من أجلك، لتعالج بأفضل طريقة.

إن دواءً واحداً يتم اكتشافه يمكن أن يقلل معاناة الملايين، وأحياناً ينقذ أرواح الملايين، مثل البنسلين الذي لولاه لمات الكثير من الناس من بعض الجروح الملوثة التي تصيبهم.

مليارات البشر عاشت بسبب اكتشاف أدوية المضادات الحيوية والتطعيمات، فمرض مثل الجدري اليوم يصيب الشخص بشكل طفيف بينما سابقاً كانت بلاد كاملة تموت بسببه.

فكر بالأدوية التي تذيب الجلطات للناس المصابين بها، أو التي تعالج السل في عدة أشهر والذي كان مميتاً قبل ذلك.

والذين يقولون أن الدواء الغربي لا فائدة منه، لا أستطيع أن أجيب هؤلاء الصراحة، ولكن بعد كل ما شرحته هل ما زال لديك قناعة أن تصدق شخصاً يقول لك تناول هذه العشبة أم تلك؟

أرجو أن تكون الحلقة قد أعجبتكم، وأراكم في الحلقة القادمة.

ما هو رد فعلك؟
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى