نهضة فيتنام قصة نجاح فشل فيها العرب




كيف حدثت نهضة فيتنام ؟

كيف حدثت نهضة فيتنام ؟

إذا كنت تحمل هاتف أبل Apple فغالباً ستجده مصنوعاً في الصين، وإذا كنت تحمل هاتف سامسونج Samsung فغالباَ ستجده مصنوعاً في فيتنام.

نعم فيتنام، الدولة التي تعرف اسمها عند ذكر الفقر والحرب، وصراع الأقطاب العالمية، لكنك لم تعرفها يوماً كواحدة من أهم اقتصادات آسيا.

وكمكان آمن يشكل قبلة الاستثمارات العالمية بل وينافس العملاق الصيني. دولة من أفقر دول العالم بعد الغزو إلى أهم اقتصادات آسيا. فكيف حدثت النهضة الفيتنامية؟

فيتنام أرض الصراعات

فيتنام هي أرض المطامع، وشراسة المقاومة بلا منازع، من استعمار ياباني انتهى مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، إلى استعمار فرنسي انتهى عام 1954.

ثم حرب أهلية ستتحول إلى مذابح كبرى بين جزئيها الشمالي والجنوبي برعاية أمريكا والاتحاد السوفييتي.

وانتهاء بغزو أمريكي لدعم حلفائها الجنوبيين بقوة عسكرية قوامها أكثر من نصف مليون جندي.

وتنتهي الحرب بانسحاب أمريكا منهزمة عام 1974، فيقع غزو الشمال للجنوب سنة 1975 وتتوحد فيتنام. وتتكشف الكارثة.

الرئيس نيجون فان لين

أرض زراعة الأرز، القطاع الذي كان يعمل به 70% من السكان، لم تمتلك ما يسد جوع سكانها، وعقوبات أمريكية تعزل البلاد التي تجرأت على غزو كمبوديا سنة 1978.

وأزمة اقتصادية خانقة تعززها سياسات الحزب الشيوعي الحاكم المنغلق على نفسه. سيفاقمها الخلاف مع شيوعيي الصين الجار الكبير الذي لم يرضَ عن شيوعيي فيتنام يوماً.

لكن وكعادة اقتصادات دول جنوب شرق آسيا، الديكتاتور سيصنع نهضة، وديكتاتورنا هنا إسمه نغوين فان لين.

هذا الرجل استلم رئاسة الحزب الشيوعي سنة 1986 خلفاً لرجل آخر اسمه دوان. الفرق بين دوان و فان لين بسيط.

الأول كان رجل حرب، وحّد فيتنام وقاد الأمريكيين لأكبر هزيمة مهينة في تاريخهم، لكن سياساته عزلت فيتنام دولياً وجعلت من اقتصادها مركزاً بيد الدولة وتحت إدارتها.

حكم دوان 26 عاماً، سجلت نهايتها تصنيف فيتنام واحدة من أفقر دول العالم. بتضخم اقتصادي بلغ 770%.

أما الثاني فكان رجل اقتصاد يفضل سياسات السوق الحرة، ويؤمن بأن قوة الاقتصاد لا تأتي باحتكار الدولة، وأن مزيج الحكم الشيوعي مع الاقتصاد الرأسمالي مناسب لفيتنام.

خطة Doi Moi

وضع فان لين خارطة سياسات التجديد المعروفة عالمياً باسم دوي موي  Doi Moi، لا تنسَ هذا الاسم فهي الحزمة التي بدأت معها تجربة فيتنام الاقتصادية في السطوع.

بدأ لين خطته بإصلاح قطاع الزراعة، فمنح كل أسرة فيتنامية 3 هكتارات من الأرض مع حرية زراعتها بما تشاء، شريطة حق الدولة بنزعها في حال تركها.

بعد توزيع الأراضي صدر قرار إلغاء العمل بنظام المزارع الجماعية المملوكة للدولة عام 1988. فخرجت الزراعة بذلك تماماً من يد الحكومة إلى يد المواطن.

وجاءت النتائج سريعة، لقد أصبحت فيتنام عام 1989 ثالث أكبر مصدّر للأرز في العالم.

إصلاحات زراعية سيرافقها فتح المجال أمام رأس المال الأجنبي للاستثمار في البلاد.

الانسحاب من كمبوديا ونتائجه

لكن العقوبات الأمريكية على فيتنام بسبب غزوها لكمبوديا، منعت حدوث تقدم ملحوظ. فما العمل؟ لننسحب من كمبوديا ولنجعل من أعداء الأمس أصدقاءً لليوم.

وبالفعل تم الانسحاب عام 1989 ورفعت العقوبات الأمريكية عن فيتنام تباعاً، من رفع حظر السفر عام 1991 إلى رفع الحظر التجاري عنها عام 1994.

وبذلك دخلت فيتنام ضمن صفوف المجتمع الدولي ودق طوق الحصار عن النمر الآسيوي. وأخذت الاستثمارات بالتدفق لتؤسس 17 ألف شركة خاصة.

وبلغت حصة رأس المال الأجنبي 10% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد عام 1994.

الاتفاقيات التجارية الدولية

انضمت فيتنام لرابطة أمم جنوب شرق آسيا Asean عام 1995. وفي عام 2001 وقعت هانوي اتفاقية التجارة المتبادلة مع عدوها القديم وصديقها الجديد أمريكا.

لقد دخلت فيتنام إذن ثنائية النظام الشيوعي والاقتصاد الرأسمالي، إنه المزيج الصيني الناجح نفسه بين دكتاتورية الحزب الواحد ونهضة الاقتصاد.

في عام 2007 انضمت فيتنام إلى منظمة التجارة العالمية، ووقعت 16 اتفاقية للتجارة الدولية المتبادلة، مما ساهم في تخفيض التعريفات الجمركية.

وتسابقت الشركات لضخ مليارات الدولارات في البلاد ذات الأيدي العاملة الرخيصة.

جذب الاستثمار الأجنبي

لم يشأ عام 2007 أن ينتهي إلا ومعه فيتنام كثالث أكبر بلد في العالم جذباً للاستثمارات الأجنبية بعد الصين والهند.

وقفز دخل الفرد فيها من 430 دولاراً عام 1996 إلى نحو 4000 دولار عام 2007.

انطلاقة فيتنام هذه شجعت البنك الدولي على إقراضها لتتوسع في إنشاء البنى التحتية وربط المدن والأرياف ببعضها بشبكة من طرق المواصلات.

ومع هذا التقدم تهافتت الشركات الكبرى إلى البلد الآسيوي الصاعد. في أكتوبر تشرين الأول عام 2010 اختارت شركة Intel العالمية فيتنام لتضم أكبر مصانعها على الإطلاق.

ولحقتها شركة سامسونج Samsung التي تصل استثماراتها اليوم في فيتنام إلى نحو 17 مليار دولار.

طفرة اقتصادية كبيرة، يمكنك تخيلها بالمثال التالي: إذا كنت تمشي في شارع كل من فيه يحملون هواتف محمولة، فإن شخصاً واحداً من بين كل 10 يمرون بجانبك يحمل هاتفاً مصنوعاً في فيتنام.

إحصائيات البنك الدولي تؤكد أمراً مهماً جداً، وهو ارتفاع  النمو الاقتصادي الفيتنامي وثباته بمعدل يتجاوز نسبة 5% سنوياً منذ عام 2010.وهو معدل كبير مقارنة ببقية دول العالم.

فيتنام بالأرقام ما بين 1993 و 2016

في الماضي كان 14% من السكان يستخدمون الكهرباء كمصدر رئيسي للإضاءة، أما اليوم تصل النسبة إلى 99%.

36% من سكان الريف باتوا يحصلون على مرافق الصرف الصحي مقارنة ب 7% قبل نحو 26 عاماً.

المياه النظيفة كانت تصل إلى 17% من سكان الريف لكنها تصل اليوم إلى أكثر من 70%.

نسبة الفقر المدقع انخفضت خلال 20 عاما من نحو 65% إلى 11% فقط.

الاستثمارات الأجنبية المباشرة تمثل الآن ما يعادل 90% من قيمة صادرات الصناعات الفيتنامية للعالم.

نعم، لقد تحسنت فيتنام وتحسنت كثيراً. لدرجة أن ناتجها المحلي الإجمالي يزداد بمعدل يصل إلى 7% سنوياً.

ونموها الصناعي يصل إلى 13%. أما نموها الزراعي فيقترب من حاجز 4%.

في حين يصل النمو في قطاع الخدمات إلى نحو 6.9%.

سياسة النظام الحاكم

أرقام ترفع القبعات لفيتنام الصاعدة، لكن تبقى هنالك مشكلات قد تعوق مسيرتها. أولها طبيعة النظام السياسي القمعي.

ففيتنام يحكمها الحزب الشيوعي الذي يرفض أي معارضة من أي نوع، ولا يعبأ بحرية التعبير أو بحقوق الإنسان. ما يشكل عائقاً أمام انفتاح البلاد على العالم المتحضر.

وهناك الفساد الذي ينهش الدولة. وظهر تأثيره جلياً عام 2006 بفضيحة مشاريع الوحدة 18 الشهيرة، التي شهدت اختلاس القائمين عليها لملايين الدولارات.

وأدت حينها إلى استقالة وزير النقل، وأودت بكثير من المسؤولين إلى السجن.

وإذا كان الفساد في الداخل، فهناك ما هو أدهى في الخارج. والحديث هنا عن الصين الدولة التي خاضت حروباً تاريخية كثيرة مع فيتنام.

وترى فيها خصماً اقتصادياً يسرق منها استثمارات الشركات العالمية، وخصماً سياسياً يقترب من أمريكا خصمها اللدود.

لكن بالرغم من تهديد الصين تبقى فرص النمو الفيتنامي سانحة، إذ يمكن لها أن تستغل الخلافات الصينية الأمريكية لصالحها، لتكون القبلة الأكثر أماناً للاستثمار مع دعم العملاق الأمريكي.

فيتنام ليست ديمقراطية، حرياتها شبه معدومة، خرجت من حروبها مثقلة بمليون و200 ألف قتيل، رقم يقترب من شهداء حرب الاستقلال الجزائرية.

مقارنة بين فيتنام والبلاد العربية

فيتنام فيها غاز ونفط، أقل بكثير من غاز العرب أو نفطهم. عدد سكانها كبير يقترب من عدد سكان مصر، ما دفعها لتطبيق سياسة تحديد النسل بطفلين فقط.

لكن اقتصادها حي، نمو دخل الفرد السنوي فيها يحتل المرتبة الثالثة عالمياً. نسبة البطالة بين سكانها تصل إلى 2.3% فقط. وتتربع في المرتبة 12 عالمياً على مستوى جودة التعليم.

في العلم عندما تطبق التجربة نفسها في الشروط نفسها، فتحصل على النتائج نفسها.

العرب والفيتناميون، عاشوا التجارب نفسها في الماضي، وضمن شروط متشابهة، لكن النتائج كانت مختلفة. فإلى متى نبقى الاستثناء العالمي الوحيد؟

ما هو رد فعلك؟
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.