إسلامقصص وحكايات

أريوس القسيس الذي غير شكل الأرض




 أريوس القسيس من سلسلة العظماء المائة

الكشف عن لوحة أريوس القسيس : في مدينة تقع شرق إيطاليا تدعى مدينة رافينا توجد كنيسة صغيرة اسمها بازيليكا دي سانتي بوليناري نوفو.

هذه الكنيسة تحتوي على رسوم جدارية نقشت بواسطة أحجار الفسيفساء، من ضمن هذه النقوش لوحة جدارية كبيرة توجد على الحائط الأيمن للمبنى.

هذه اللوحة فيها عدة أمور غريبة فهي تبدو كأنها قد نقشت فوق بعض أجزائها رسوم جديدة لا تبدو بنفس قدم نقوش المبنى.

أما الشيء المثير للدهشة في هذه اللوحة الجدارية هو وجود صور لبقايا أيدي بشرية على أعمدة مرسومة في اللوحة.

مما يدل على أن هذا الرسم كان يحتوي على صور لأشخاص يقومون بشيء ما، شيء خطط له أن يبقى سراً دفيناً بعد أن تم إخفاء رسمه الأصلي إلى الأبد. شيء لا يراد لنا أنا وأنت أن نعلمه.

فما هو سر هذه اللوحة العجيبة وما هو الأمر الخطير الذي نجح من قاموا بتغيير حجارة هذه الكنيسة الإيطالية لإخفائه عن البشرية بأسرها؟ أو هكذا ظنوا.

كيف بدأت حكايتي مع أريوس القسيس

كيف بدأت حكايتي مع أريوس القسيس

مرحباً بكم، هذا جهاد الترباني يحييكم  في الحلقة الحادية والعشرين من برنامج العظماء المائة، هذه الحلقة التي انتظرها أنا شخصياً منذ أول يوم فكرت به بإصدار هذا البرنامج.

وكنت أدعو الله سبحانه وتعالى ألا يتوقف هذا البرنامج لأي سبب من الأسباب قبل إذاعتها، وذلك لأهميتها التاريخية لأهميتها التاريخية الكبيرة.

وفي هذه الحلقة سنحكي حكاية إنسان عظيم وباعتقادي من أعظم الشخصيات التي مرت على تاريخ الأرض منذ نشأتها وحتى يوم الناس هذا.

ومن خلال الدقائق القليلة القادمة سنحاول البحث في حكاية هذا الرجل المجهول سنفهم من خلال دراسة تاريخه كثيراً من الأمور الغامضة التي ربما لا يتسنى فهمها إلا بدراسة تاريخ هذا الرجل.

وهذا هو الهدف الرئيس لهذا البرنامج، محاولة حل بعض الألغاز التي لا يمكن حلها إلا بدراسة التاريخ فقط.

ذكر الموحدين الأريسيين في القرآن

فمثلاً هناك قصة عجيبة وردت في القرآن الكريم وبالتحديد في سورة البروج التي ذكر الله تعالى في بدايتها قصة أصحاب الأخدود.

القصة التي قام بها أحد الملوك بحرق مجموعة من المؤمنين والمؤمنات في حفرة في الأرض أشعلت فيها النيران قبل أن يُلقى فيها هؤلاء الأبرياء الذين يصفهم القرآن الكريم بالمؤمنين والمؤمنات.

الشيء اللافت للانتباه أن هؤلاء الضحايا الذين خلد القرآن قصتهم كانوا في حقيقة الأمر مجموعة من المسيحيين اليمنيين، وبالتحديد من مملكة حمير اليمنية.

وهذا أمر شبه متفق عليه لدى المسيحيين المعاصرين والمسلمين على حد سواء، كما ورد في أحد أشهر الكتب المسيحية وهو كتاب الحميريين السرياني الذي يعتبر هؤلاء الضحايا من شهداء المسيحية.

بينما ورد في كثير من كتب التفسير الإسلامية مثل تفسير القرطبي مثلاً بأنهم  قوم من النصارى كانوا باليمن.

فمن تكون هذه الطائفة المسيحية التي وصلت إلى مرحلة من الإيمان ذكرت بها في بداية سورة في كتاب المسلمين المقدس القرآن الكريم؟

ذكر الموحدين الأريسيين في الحديث الشريف

هناك حديث عجيب يصف حال الأرض قبل البعثة النبوية ورد في صحيح الإمام مسلم رحمه الله حديث يصف فيه الرسول صلى الله عليه وسلم حالة الأرض قبل خروجه نبياً إلى البشرية:

إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب.

فمن يكون هؤلاء الذين استثناهم الله عن بقية أهل الأرض بأسرها؟

الإجابة عن هذا السؤال تكمن في فهم كلمة عجيبة أوردها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر، وهذه الكلمة العجيبة التي بها حل تلك الألغاز التاريخية.

ربما سمعناها لعشرات المرات ولكننا لم ننتبه إليها جيداً بالرغم من وجودها في صحيح الإمام البخاري رحمه الله، أصح كتب الحديث لدى المسلمين.

الحديث يحكي حكاية رسالة بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل إمبراطور الدولة البيزنطية الرومانية، جاء في هذه الرسالة:

بسم الله الرحمن الرحيم

من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم

سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام

أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم الأريسيين.

بعض كتب التاريخ الإسلامي تفسر كلمة الأريسيين بأن معناها فلاحي الروم، والأمر الذي لم يقنعني صراحة.

فلماذا يحذر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إمبراطور الروم بأن عليه إثم الفلاحين فقط؟ لماذا الفلاحين بالذات؟ ماذا عن بقية البشر الذين يعيشون في الإمبراطورية البيزنطية الرومانية؟

إذن، فمن هم هؤلاء الأريسيون؟ وكيف عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بقصتهم؟ ولماذا حرص أن يذكرهم بالاسم إلى إمبراطور الروم؟ إلى إمبراطور الرومان البيزنطيين بالتحديد؟

من هم الأريسيين

أثناء فترة إعدادي لكتاب مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ، عثرت على كتاب عجيب، وجدت من خلاله إجابة للسؤال الذي لطالما بحثت عنه.

الكتاب اسمه أقباط مسلمون قبل محمد للباحث المصري فاضل سليمان وتقديم وتذييل الأستاذ الدكتور محمد عمارة.

وفيه يذكر الباحث المصري، الذي تلقى تعليمه المدرسي في مدارس الكاثوليك في القاهرة، معلومات خطيرة من شأن الكشف عنها لعامة الناس أن يعيد كتابة التاريخ الإنساني بأسره.

في هذا الكتاب يذكر فاضل سليمان أن تاريخ الأريسيين هو في واقع الأمر تاريخ المسيحية الحقيقي وسموا بذلك الإسم نسبة إلى قسيس مسيحي اسمه أريوس .

وبالبحث في المصادر الإسلامية وجدت أن ما ذكره فاضل سليمان أورده بشكل مختصر ابن حزم الأندلسي في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل.

وأورده أيضاً الإمام أبو الفتح الشهرستاني في كتابه الملل والنحل.

ولكن للإنصاف التاريخي فإنه من عدم الأمانة العلمية التسليم مباشرة بصحة ما كتبه رجل مسلم عن دين آخر أو حتى الرجوع إلى مصادر إسلامية.

لذلك قررت التأكد من صحة المعلومات التي وردت في كتاب فاضل سليمان من مصادر غير إسلامية تتحدث عن تاريخ المسيحية منذ بدايتها.

مصادر كتبها كبار مؤرخي المسيحية وكبار قادة الكنيسة.

تمهيد عن فهم الدعوة والعقيدة

ولكن بداية وقبل الغوص في بحار قصتنا لنستخرج منها لآلئها المكنونة، علينا أن نفهم ثلاث نقاط مهمة للغاية يمكن لنا من خلالها فهم مجريات قصتنا بشكل أكبر وأوضح.

عقيدة الإسلام

ربما لاحظ البعض أنني في الحلقة الماضية كررت لفظة الدعوة المحمدية عند الحديث عن الدين الإسلامي الذي بعث به آخر الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم.

والحقيقة أنني تعمدت استخدام هذا اللفظ تمهيداً لهذه الحلقة، وذلك لشرح مفهوم الإسلام بشكل أوسع.

فالإسلام كعقيدة قائمة على توحيد الله وعبادته وحده، ليس ديناً جديداً جاء به الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، بل هو دين كان موجود قبل محمد.

الإسلام كعقيدة هو في الأساس عقيدة واحدة دعا إليها كل الأنبياء، طبعاً مع اختلاف في بعض التشريعات من نبي إلى آخر.

ترجمة الإنجيل والتحريف الذي لحقه

الكتاب المقدس لدى المسيحيين حالياً اسمه Bible وهي كلمة إغريقية تعني الكتب، ولذلك تسمى المكتبة في كثير من لغات العالم Biblioteka.

المشكلة في ال Bible أنه كتب لأول مرة باللغة الإغريقية القديمة، وهي لغة أجنبية لم تكن لغة المسيح عليه السلام.

لذلك تمت ترجمة كلمات معينة في الإنجيل الذي أنزل على المسيح بكلمات مختلفة لا توافقها في المعنى الأصلي.

والذي اشتق من العبرية والآرامية التي تحدث بها المسيح عليه السلام، فتمت تسمية الله بالأب والمسيح بالإبن بسبب سوء الترجمة.

فالمعروف في هذه اللغات السامية أنها تنسب الأبوة والبنوة لأشخاص أو لشيء دون أن يكون الدافع وراء ذلك إثبات النسب بين الوالد وولده وإنما بسبب التكريم أو الذم.

فنسب المسيح إلى الله كان في معنى تكريم المسيح عليه السلام، ولكن عندما ترجم الإغريق ذلك اعتقدوا أنه نسب والد وولده.

لا سيما أن الثقافة الإغريقية القديمة كانت تحتوي على قصص كثيرة لآلهة وأبناء لتلك الآلهة في حين أن الموضوع أبسط من ذلك كثيراً.

ربما نفهمه نحن العرب بشكل أكبر للتشابه بين لغتنا العربية السامية مع اللغتين العبرية والآرامية اللتين تنتميان إلى نفس العائلة اللغوية السامية.

فمثلاً نسمي الأب برب الأسرة، وعندما نقول أن فلاناً ابن أصل ابن ملوك أو ابن عز، فهذا لا يعني المعنى الحرفي للنسب وإنما نقصد بذلك تكريماً أو تشبيهاً.

حتى في بعض الأحيان ربما نستخدم هذا النوع من الكلام في ذم شخص معين، فيقال لشخص أنه ابن كذا وكذا وإنما استخدم ذلك لذمه.

لذلك فإن نسب المسيح لله بلغة الآراميين والعبريين يعني أن المسيح كان إنساناً متديناً أو إنساناً باراً ولا يعني بأي حال من الأحوال المعنى الذي فهمه الإغريق ونقلوه  للعالم بأنه نسب والد وولده.

والدليل من الكتاب المقدس نفسه في قصة واحدة ترجمت على شكلين اثنين في إنجيلي مرقص ولوقا ففي إنجيل مرقس 39/15 ورد الآتي:

كان هذا الإنسان ابن الله

وفي إنجيل لوقا 34/23 وردت نفس القصة على اللفظ الآتي:

كان هذا الإنسان باراً

عقيدة التثليث

عقيدة كل الطوائف المسيحية الكبيرة حالياً الكاثوليكية والأرثوذوكسية والبروتستانتية هي عقيدة قائمة على مبدأ التثليث Trinity.

وهو مبدأ يقوم على أن الله أو الرب عبارة عن ثلاث أقانيم مختلفة:

الآب وصوروه كرجل مسن.

المسيح أو كما يسمونه الابن وصوروه كشاب أشقر بالرغم من كون عيسى من بني إسرائيل.

الروح القدس صوروه كطائر

ووفقاً لهذا المبدأ فإن هؤلاء الثلاثة يتساون مع الله ولكن في نفس الوقت لا يتساوون مع بعضهم البعض.

الكارثة في هذا المبدأ لا تكمن في كونه مخالفاً لكل قوانين الرياضيات التي تنص على أن الأشياء المتساوية مع شيء ما متساوية مع بعضها البعض.

وإنما تكمن الكارثة في أن هذه العقيدة التي تعتبر أساس الدين المسيحي ليس لها دليل واحد في الكتاب المقدس.

حتى الجملة الوحيدة الموجودة في الكتاب المقدس التي يمكن أن تفسر منها هذه العقيدة التي وردت في رسالة يوحنا الأولى 5/7 ونصها الآتي:

فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الآب والكلمة والروح القدس. وهؤلاء الثلاثة هم واحد.

بغض النظر أن هذه الجملة لا تعني أي شيء ولا تعني أنه ينبغي عبادة هؤلاء الثلاثة، بغض النظر عن كل ذلك فإن هذه الجملة ليس لها وجود من الأساس.

فالشيء الذي لا يعلمه أغلب المسيحيين أن هذه الجملة ليست من الكتاب المقدس، بل هي إضافة أضيفت مؤخراً مكان الروح والماء والدم.

المسيحيين

المزيد من التحريف

بعض النسخ العربية للكتاب المقدس قامت بتوضيح ذلك في الهامش، ولكن أكثر النسخ أخفت ذلك عن عمد، وقامت بوضع نجمة أو قوس أو أي شيء لخداع القارئ دون أن تشير عن معنى ذلك في الهامش.

إلا أن بعض النسخ الإنكليزية في الكتاب المقدس مثل نسخة The Holy Bible New International Version حذفت هذه الجملة بالكلية.

وكتبت في الهامش Not found in any Greek manuscript before the sixteenth century.

أي أن هذه الجملة لم توجد في أي من المخطوطات الإغريقية قبل القرن السادس الميلادي. نحن نتكلم عن خمسمائة عام لم تكن قبلها هذه الإضافة موجودة في الكتاب المقدس.

وبعد هذه المقدمة التي ستساعدنا في فهم أحداث حلقتنا نأتي الآن إلى قصة بطلنا أريوس Arius.

من هو أريوس

أريوس قسيس مسيحي من أصل أمازيغي، والأمازيغ هم السكان الأصليون لشمال أفريقيا وأصل هذا القسيس الأمازيغي من ليبيا الحالية.

يعني هو بطل ليبي الأصل ولد عام 256 في مدينة ليبية تقع في منطقة الجبل الأخضر إلى الشرق من بنغازي ( كورينا ).

واسمها الحالي شحا وبالمناسبة هذه المدينة هي المدينة التي ولد بها إراتوستينس الذي عرفه علماء الرياضيات بوضع غربال إراتوستينس الذي يحدد الأعداد الأولية.

وهو أيضاً مخترع كلمة جغرافيا وأول من قاس محيط الأرض في التاريخ.

المهم أن أريوس عاش في مدينة الإسكندرية المصرية التي كان بها كاهناً على إحدى كنائسها الصغيرة.

وسافر إلى مدينة أنطاكيا ليتعلم تعالم المسيح من أحد أهم الشخصيات في التاريخ المسيحي على الإطلاق وهو القسيس لوسيان الأنطاكي Lucian of Antioch.

الذي يسميه المسيحيون الآن بالقديس لوسيان أو لوسيان الشهيد بعد أن قتله الإمبراطور الروماني الوثني ماكسيموس الثاني لرفض لوسيان التخلي عن تعاليم المسيح.

صراع الكنيستين

في ذلك الزمان ظهر على السطح في مدينة الإسكندرية المصرية صراع كبير بين فريقين:

الفريق الأول ويقوده الأسقف ألكساندروس الأول بابا الإسكندرية هذا الفريق يريد إدخال عقيدة لم ترد في الكتاب المقدس بأن المسيح إله معبود.

أما الفريق الثاني فكان بقيادة القسيس أريوس هذا الفريق رفض إدخال بدعة ألوهية المسيح ودعا إلى أن المسيح إنسان مخلوق ونبي مكرم.

وكان يؤيد فريق أريوس ملاتيوس أسقف مدينة ليكوبوليس وهي مدينة أسيوط الحالية. لذلك كان أقباط صعيد مصر في الأساس من المسيحيين الموحدين الذين رفضوا بدعة تأليه المسيح.

ولما اشتد الصراع بين الفريقين كثف أريوس من تحركاته في دعوة المسيحيين إلى توحيد الله مستعيناً بعلمه الذي تعلمه من لوسيان  الأنطاكي.

إضافة إلى قدرته الكبيرة على الإقناع بالحجج والبراهين من الكتاب المقدس نفسه.

حيث كان أريوس يذكر لهم أن المسيح بكل بساطة لم يرد عنه في الكتاب المقدس أنه دعا الناس إلى عبادته أو ادعى أنه رب معبود.

لذلك أقبل المسيحيون أفواجاً على دعوة أريوس التوحيدية بعد أن أحسوا بصدقه وإخلاصه لدعوة المسيح.

يصفه البروفيسور ديميتريوس كوسولاس في كتابه حياة وزمن قسطنطين العظيم:

كانت بلاغته وجلسته الوقورة وزهده في الحياة قد بدأت في اجتذاب اتباع كثيرين، كان طويلاً رشيق القامة ذو نظرات جذابة يرتدي دائماً رداءاً أبيضاً بدون أكمام.

ويضيف البروفيسور ديميتريوس كوسولاس في كتابه:

لم يكن أريوس من نوع الرجال الذين يمكن إسكاتهم بسهولة، كما لم يكن وحده الذي يؤمن بهذه المعتقدات بل كان كثير من الأساقفة والكهنة في الشرق يفضلون تعاليمه.

أريوس و يوسابيوس

وبعد أن انتشرت دعوة التوحيد المسيحية انتشاراً كبيراً في مدينة الاسكندرية أصدر أسقف هذه المدينة ألكسندروس الأول قراراً كنسياً بعزل أريوس من كنيسته الصغيرة.

وبرغم حرب الكنيسة لأريوس استمر هذا القسيس المسيحي في دعوة التوحيد، فبعث برسالة إلى أحد زملائه في الدراسة عند معلمه لوسيان الشهيد.

هذا الزميل اسمه يوسابيوس النيقوميدي Eusebius of Nicomedia نسبة لمدينة نيوكوميديا في الأناضول.

يوسابيوس كان في السابق أسقفاً لمدينة بيروتاس أي مدينة بيروت الحالية قبل أن ينتقل إلى نيقوميديا. تذكروا إسم هذا الرجل جيداً سيكون له دور بارز في أحداث حلقتنا.

أريوس بدأ رسالته إلى زميله يوسابيوس بكلمة عجيبة قال له: يا تلميذ لوسيان

مذكراً زميله بما تعلماه في مدرسة معلمهم لوسيان الشهيد وهذا ما يدل على أن لوسيان كان أيضاً موحداً.

وبعد أن وصلت الرسالة إلى يوسابيوس أعلن هذا الأسقف الكبير تأييده لدعوة زميله أريوس التوحيدية في الوقوف أمام بدعة تأليه المسيح التي دعا إليها بابا الإسكندرية ألكسندروس.

ثم وصلت أخبار هذا الصراع إلى بقية الكنائس المسيحية، فأعلن بقية تلاميذ لوسيان الشهيد الذين أصبحوا أساقفة لكنائس كبرى أعلنوا تأييدهم لدعوة التوحيد.

وبعثوا برسائل تأييد إلى زميلهم أريوس وبعد ذلك أعلن عدد من كبار أساقفة العالم تأييدهم لدعوة التوحيد.

تلاميذ لوسيان الشهيد

مجمع نيقية الأول

في ذلك الزمن كانت أغلب الكنائس موجودة ضمن أراضي الإمبراطورية  البيزنطية الرومانية، وكان على رأس الإمبراطورية في ذلك الوقت الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول.

هذا الإمبراطور أراد أن يثبت حكمه في أرجاء الإمبراطورية عن طريق السيطرة على السلطة الدينية للمسيحيين بالرغم من كونه وثنياً في ذلك الوقت.

خاصة بعد أن بدأ الصراع بين فريقي الموحدين ومؤلهي المسيح يأخذ طابعاً تهديدياً للسلم الاجتماعي في مدن امبراطوريته .

فدعا الإمبراطور قسطنطين الأول جميع أساقفة الإمبراطورية إلى الاجتماع في مدينة نيقية لبحث مسألة تأليه المسيح.

فاجتمع أساقفة الإمبراطورية في مجمع سمي بمجمع نيقية Nicaea وبدأت جلسة المجمع في 20 مايو واستمرت إلى 25 من شهر يوليو من عام 325.

جلسات هذا المجمع شهدت نقاشات حادة بين فريقي الموحدين بقيادة الأسقفين أريوس ويوسابيوس وبين الفريق الذي ينادي بإدخال مبدأ ألوهية المسيح إلى الدين المسيحي.

وكان بقيادة شاب في بداية الثلاثينيات من عمره يدعى أثناسيوسAthanasius  وهو شخصية أرسلها بابا الإسكندرية ألكساندروس لقيادة هذا الفريق المنادي بألوهية المسيح.

الطريف أن أثناسيوس كان في الأصل وثنياً من أبوين وثنيين قبل أن يتبناه ألكسندروس الأول ويجعله أحد تلامذته.

لتتوافق المعتقدات الوثنية التي ورثها أثناسيوس من أبويه مع المعتقدات المنحرفة التي درسه إياها ألكسندروس الأول.

ليجادل بها هذا الشاب كهنة وأساقفة كبار مثل أريوس ويوسابيوس الذين ولدوا على دين المسيح.

ليس ذلك فحسب بل تتلمذواعلى يدي لوسيان الأنطاكي الذي يسميه المسيحيون حتى يوم الناس هذا القديس لوسيان الشهيد.

التصويت على ألوهية المسيح

وبعد أيام من النقاشات الطويلة التي كان أريوس ومن معه من الموحدين يفحمون بها أثناسيوس ومن معه، جاءت لحظة التصويت على وثيقة تنص لأول مرة في تاريخ المسيحية على ألوهية المسيح.

وكانت غالبية الأساقفة مع عدم التصويت عليها والبقاء على ما جاء في الكتاب المقدس بأن المسيح مجرد بشر مرسل من قبل الله.

إلا أن التصويت لم يكن حراً فقد كان الإمبراطور قسطنطين بحكم دينه الوثني ضد فكرة توحيد الله، فقرر أن تكون نتيجة التصويت لصالح من ينادون بألوهية المسيح.

ووفقاً لكتاب Church Schism and Corruption الكنيسة الإنشقاق والفساد للمؤرخ أخيم ماسيكو.

أصدر قسطنطين بياناً مسبقاً يهدد فيه كل من يرفض التصويت لصالح هذا الاعتقاد. ووصلت التهديدات المباشرة إلى الأساقفة الموحدين.

ولمعرفتهم بالمجازر المروعة التي كان الملوك الرومان يقومون بها في حق المسيحيين في السابق.

فضل أغلب الموحدين النجاة من هذا الفخ الذي نصب لهم، والرجوع إلى مدنهم لإكمال دعوة التوحيد التي اعتقدوا أنها لن تؤثر عليها ورقة وقعت كرهاً تحت حكم ملك وثني.

فوقع أغلب من كان في المجمع على ما بات يعرف فيما بعد بعقيدة نيقية وفيها كتب لأول مرة في تاريخ المسيحية أن المسيح إله.

موقف القساوسة الموحدين

ولكن بالرغم من كل التهديدات رفض أريوس التوقيع على هذه الوثيقة.

ووفقاً للكاتب ريتشارد باتريك كروزلاد هانسون رفض ثلاثة قساوسة التوقيع على هذه الوثيقة أريوس ومعه ثيوناس أسقف مرمريكا Theonus of Marmarica وسيكاندوس أسقف بتوليمايس Secundus of Ptolemais.

بالرغم من كون معظم الأساقفة في ذلك المجمع كانوا من الموحدين ولكنهم وقعوا مكرهين. جاء ذلك واضحاً في رسالة كتبها لاحقاً يوسابيوس النيقوميدي إلى الإمبراطور قسطنطين.

كما ورد في كتاب للمؤرخ الألماني الكاثوليكي ماتياس هوفمان إسم الكتاب Vergiss das Leben nicht لا تنسى الحياة، رأي برب إبراهيم كتب يوسابيوس إلى قسطنطين لاحقاً:

لقد ارتكبنا خطيئة أيها الأمير عندما دفعنا خوفنا منكم للموافقة على كفر.

ولكي نفهم موقف الأساقفة الموحدين وهم الغالبية العظمى ينبغي علينا أن نفهم الظروف التي دفعتهم إلى التوقيع.

هؤلاء الأساقفة الموحدون اجتهدوا ورأوا أن تحت إرهاب وقمع الإمبراطورية يمكنهم إظهار ما لا يعتقدون في قلوبهم لكي يرجعوا آمنين إلى تلامذتهم ليكملوا دعوة المسيح سراً.

لا سيما أن هذا المجمع جمع كبار الأساقفة الموحدين في العالم بأسره، فإن تم قتلهم ستصبح دعوة المسيح في خطر حقيقي.

ولكن القساوسة الموحدين ما أن وقعوا على وثيقة نيقية حتى وقعوا في الفخ الذي كانوا يحاولون الإفلات منه.

فقد كان الإمبراطور ورجال الكنيسة يدركون تمام الإدراك أن هؤلاء الأساقفة وقعوا على هذه الوثيقة تحت الإكراه.

لذلك قاموا مباشرة بعد اختتام جلسات المجمع بعزلهم جميعاً من كنائسهم ونفيهم إلى قرى وجزر نائية.

نشأة لقب الأرثوذكس

ومنذ ذلك التاريخ أطلق أعداء التوحيد على المسيحيين الموحدين لقب الأريسيين أو الأريوسيين Arian وذلك لصرف الناس عن حقيقة تريد الكنيسة إخفاءها عن عامة المسيحيين البسطاء.

بأن هؤلاء القساوسة الذين أطلق عليهم إسم الأريسيين ما هم في حقيقة الأمر سوى المسيحيون الحقيقيون الذين اتبعوا دعوة المسيح دون تحريف.

في حين أطلق مؤلهوا المسيح على أنفسهم إسم الأرثوذكس ومعناها الأصوليين أي أنهم ادعوا بأنهم هم من يتبعون أصل الدين المسيحي.

اضطهاد أريوس

وبعد انتهاء مجمع نيقية أمر الإمبراطور قسطنطين بتحريض من الكنيسة بحرق كل كتب أريوس ويوسابيوس النيقومودي ومن معهم من الموحدين.

صورة رقم 4 التوقيت 26:27

هذه الصورة مثلاً نسخة من صورة أصلية وردت في كتاب القانون الكنسي لعام 825 وفيها يصور الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الذي كان وثنياً وهو يحرق كتب أريوس.

قسطنطين الذي كان وثنياً وهو يحرق كتب أريوس

في هذه الصورة تلاحظون الشخص أسفل اللوحة مكتوب حوله بعض الكلمات لو كبرنا اللوحة قليلاً لوجدنا أن هذه الكلمة المكتوبة باللغة الإغريقية Άρειος تعني أريوس.

رجال الكنيسة عبر جميع العصور وحتى يومنا هذا حاولوا دائماً تشويه صورة هذا البطل المسيحي الموحد في لوحاتهم وكتبهم.

وذلك خوفاً منهم أن تنتشر تعاليم هذا القسيس المسيحي بين عامة المسيحيين البسطاء.

دور المرأة في دعوة التوحيد

وبعد نفي أريوس وبقية الأساقفة الموحدين الذين تم عزلهم كوفئ أثناسيوس زعيم من باتوا يعرفون بالنيقيين بأن تم تعيينه أسقفاً للإسكندرية بالرغم من حداثة سنه.

وبعد ذلك ظن أعداء التوحيد أنهم انتصروا على أريوس، أنهم انتصروا على دعوة المسيح على دعوة التوحيد بعد أن عزلوا كل الرجال المنادين بدعوة المسيح الحقيقية.

إلا أن هؤلاء المساكين غاب عنهم أمر مهم للغاية، غاب عنهم أن هذا الدين ليس دين الرجال فقط لقد نسي هؤلاء المساكين المرأة.

فالمتابع الجيد لأحداث التاريخ يجد أن قيام الأمم بعد انكسارها يحدث في كثير من الأوقات بسبب امرأة واحدة، امرأة غيرت من حال أمتها بأسرها.

فدور النساء عبر التاريخ ليس كما يعتقد البعض دوراً هامشياً أو حتى ثانوياً بل هو دور محوري وهام.

الإمبراطورة هيلانا

وفعلاً بدأت عملية القيام للمستضعفين المسيحيين الموحدين بواسطة امرأة واحدة أخرجها الله من مكان لا يتوقعه أحد.

إنها الإمبراطورة هيلانا Helena أم الإمبراطور قسطنطين وهي المرأة التي يعتبرها المسيحيون إلى يوم الناس هذا قديسة من قديساتهم Saint Helen.

أكيد أن الكثير منا سمع بهذا الإسم الذي يكثر استخدامه في تسمية المدارس المسيحية في هذه الأيام.

الشيء الذي لا يعلمه أغلب المسيحيين أن هذه المرأة هي في حقيقة الأمر بطلة مسيحية موحدة تؤمن بأن المسيح بشر مكرم تدين بدين التوحيد أو كما صار يطلق عليه المسيحية الأريسية.

ووفقاً لعدة مصادر تاريخية كتبها مؤرخون كبار من أمثال Hagith Sivan و J.Gordon Melton و Kenneth G Holum.

وفقاً لهذه المصادر قامت هذه الإمبراطورة باستخدام نفوذها في الإمبراطورية بإرجاع كثير من الأساقفة الأريسيين وتقريبهم إلى الحاشية الملكية.

كان ممن قربتهم يوسابيوس النيقوميدي زميل أريوس، والحقيقة أن يوسابيوس النيقوميدي هو نوع من الرجال الذين يمكن أن تطلق عليهم لقب رجل بأمة.

هذا القسيس السوري الموحد الذي كان أسقف بيروت اللبنانية كان بالإضافة إلى علمه المسيحي الكبير الذي تعلمه من لوسيان الشهيد كان أيضاً سياسياً حكيماً يعرف كيف تدار الأمور بحكمة وروية.

فبعد أن استطاعت الإمبراطورة الموحدة هيلانا إرجاعه عام 328 من منفاه الذي قضى به ثلاث سنوات بعد مجمع نيقية الأول.

يوسابيوس ونجاح الدعوة

صار يوسابيوس يناقش الإمبراطور قسطنطين بهدوء وحكمة عن حقيقة دعوة المسيح التوحيدية.

وأوضح له يوسابيوس أن ما جاء به أريوس ليس شيئاً جديداً بل هو نفسه الشيء الذي جاء به الكتاب المقدس، بأن المسيح بشر مكرم دعا إلى عبادة الله وحده.

وشيئاً فشيئاً بدأ الإمبراطور يعجب بحديث يوسابيوس عن دعوة التوحيد، وأدرك قسطنطين حجم الكارثة بإجباره القساوسة على التوقيع على مجمع نيقية.

فأراد أن يكفّر عن خطأه بإرجاع الأمور إلى نصابها ولكن ميزان القوى في ذلك الوقت كان قد تغير بشكل كبير.

فكما أوضحنا أن الإمبراطور قام بعزل جميع القساوسة الموحدين بعد مجمع نيقية وعين مكانهم الداعين إلى تأليه المسيح.

ليسيطر النيقيون على كنائس الإمبراطورية وبشكل شبه كامل تقريباً، فصار أي تهديد لسلطتهم الدينية يمكن أن يمثل تهديداً لسلطة الإمبراطور السياسية.

إلا أن قسطنطين صمم على تدمير ذلك الوحش الذي تسبب هو في صنعه، فقام بمعونة من مستشاره ويده اليمنى يوسابيوس النيقوميدي بسحب البساط بشكل تدريجي من تحت أرجل الأساقفة النيقيين.

مجمع صور الأول وعودة أريوس

واستطاع بالفعل عزل أسقف مدينة أنطاكية ثالث أكبر مدن الإمبراطورية، وأيضاً أسقف أنقرة ثم عزل عام 335 زعيم النيقيين وعدو التوحيد الأول أثناسيوس.

بعد أن تم عقد مجمع صور الأول نسبة لمدينة صور اللبنانية لبحث تهم وجهت إلى أثناسيوس بقضايا أخلاقية وقضايا مالية.

بعث بها المسيحيون المصريون الذين فرض عليهم أثناسيوس ضرائب غير قانونية إضافة إلى جريمة قتل أحد الأساقفة واحتفاظ أثناسيوس بيد الجثة لاستخدامها في السحر.

وبعد ذلك صار المناخ مناسباً لعودة بطل التوحيد أريوس، وفعلاً استدعاه الإمبراطور قسطنطين الأول إلى عاصمة الإمبراطورية الجديدة القسطنطينية.

وبعد مسيرة نضال وكفاح استمرت لسنوات طويلة وصل بطل التوحيد المسيحي أريوس إلى القسطنطينية عام 336 ليستقبله الإمبراطور شخصياً في قصره.

وبعدها خرج أريوس برفقة رفيق دربه يوسابيوس النيقوميدي لكي يحيي عامة الشعب الذين اصطفوا لتحيته.

اغتيال أريوس

ما ورد إلينا في كتب التاريخ أن الإمبراطور كان قد أمر أسقف المدينة ألكسندر بإكرام وفادة أريوس وإعطائه الأكل والشراب الكنسي وإدخاله في شراكة الكنيسة كما هو متبع في التقاليد المسيحية.

وبينما أريوس يتجول في شوارع المدينة يحيي الشعب أحس أريوس فجأة بآلام شديدة تسري في بطنه أصيب بعدها بإسهال قوي تبعه نزيف حاد سقط بعدها أريوس مغشياً عليه.

كل من لديه أدنى معرفة بالأمور الطبية يدرك تمام الإدراك أن الأعراض التي أصابت أريوس في ذلك اليوم هي أعراض إصابة بتسمم حاد، تسمم أصاب جهازه الهضمي.

لذلك أكد عدد من المؤرخين الغربيين من أمثال Edward Gibbon و Charles Freeman و Jonathan Kirsch أكد هؤلاء وغيرهم أن أريوس تم اغتياله بالسم من قبل أعدائه.

وفي يوم من أيام عام 336 في عاصمة الإمبراطورية القسطنطينية اسطنبول حالياً، حان الوقت لكي يستريح ذلك الشيخ الكبير الذي بلغ الثمانين من عمره.

ثمانين عاماً قضاها في كفاح ونضال ونفي وحرمان، دون أن يطأطئ رأسه ولو لمرة واحدة أمام كل العواصف التي واجهته في حياته.

دون أن يستسلم لمن أرادوا إسكات لسانه الذي لطالما صدح بالتوحيد في أرجاء الدنيا.

حان الوقت ليستريح جسد فارس التوحيد المسيحي تلميذ المعلم لوسيان الشهيد القائد الأعلى لفريق الموحدين في العالم العملاق الأمازيغي الذي خرج من أرض ليبيا ليغير من شكل الأرض من بعده.

في ذلك اليوم انتقل إلى رحمة الله تعالى أريوس البطل.

من دس السم لأريوس

لا نعرف بالضبط من دس السم لأريوس، ولكن أنا شخصياً لا أشك أن منفذ جريمة الإغتيال كان أسقف كنيسة القسطنطينية ألكسندر.

الذي ربما أحس أن الإمبراطور يريد عزله، وتهيأة أريوس ليحل مكانه ليتولى منصب أسقف القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية.

وبالبحث في تاريخ ألكسندر نجد أنه كان من قادة النيقيين الذين حضروا مجمع نيقية عام 325 كنائب عن أسقف بيزنطة.

وهي المدينة القديمة التي بنيت عليها القسطنطينية ولذلك تسمى هذه الدولة الرومانية بالدولة البيزنطية.

على فكرة منحت الكنيسة فيما بعد لقب قديس للأسقف ألكسندر ربما تقدرياً لتنفيذه عملية الاغتيال.

أما المخطط لتلك الجريمة القذرة فلا يساورني أدنى شك بأنه عدو الموحدين الأول أثناسيوس الذي هزم أخيراً أمام أريوس.

وتم طرده من كنيسته قبل ذلك بسنة، بعد أن أدين في قضايا أخلاقية عديدة خاصة وأن لديه سجل إجرامي بقتله لأحد الأساقفة من قبل.

وثيقة تثبت إدانة أثناسيوس

ومما يؤكد دور أثناسيوس في اغتيال أريوس وثيقة عثرت عليها في كتاب المؤرخ المسيحي ساويرس ( ابن المقفع ) تاريخ البطاركة.

الوثيقة عبارة عن رسالة تشبه إلى حد كبير الرسائل المختصرة المشفرة التي يبعث بها عادة المجرمون في عصابة الجريمة المنظمة يخبرون فيها زعيم المافيا بنجاح مهمتهم.

هذه الرسالة أرسلت من أسقف القسطنطينية ألكسندر بعد قتل أريوس مباشرة، يخبر بها ألكسندر أثناسيوس ما يلي:

نحن نمجد الرب ونعلمك أيها الأخ الحبيب أن أريوس مات موتاً عجيباً وانقطعت مقالته وتبددت شيعته.

يوسابيوس قائد الموحدين

يوسابيوس قائد الموحدين

ولكن هل انقطعت مقالة أريوس بعد موته كما كان يتمنى ألكسندر وأثناسيوس؟ وهل فعلاً تبددت شيعته من بعده؟

يبدو أن من قاموا بجريمة اغتيال القائد أريوس قد فاتهم أمران اثنان:

الأمر الأول أن الشخص الذي يعتقد أنه يستطيع الإنتصار على الحق بمجرد قتل من يدعو إلى ذلك الحق هذا الشخص يكون مخطئاً في حساباته.

الأمر الثاني أن من قام بتسميم أريوس نسي أن يشتري جرعة أخرى من السم لكي يقتل بها رجلاً آخر سيكون وبالاً عليهم بعد ذلك، هذا الرجل اسمه يوسابيوس النيقوميدي.

فبعد مقتل زميله أريوس تسلم يوسابيوس النيقوميدي قيادة الموحدين في العالم، وعمل على نشر دين المسيح الحقيقي بين عامة البشر.

وما هو إلا عام واحد من مقتل أريوس أي في عام 337 حتى ظهرت ثمار البذور التي زرعها أريوس قبل موته وسقاها يوسابيوس بجهده وكفاحه.

اعتناق قسطنطين دين التوحيد

لقد جاء الفتح الكبير فقد أعلن الإمبراطور قسطنطين الأول بشكل واحد اعتناقه للإسلام، اعتناقه لدين التوحيد الذي دعا إليه المسيح.

ليصبح إمبراطور الدولة البيزنطية قسطنطين الأول المعروف بقسطنطين العظيم أول إمبراطور مسلم في تاريخ الأرض، بعد أن اعتنق دين المسيح على يد يوسابيوس النيقوميدي.

الصحيح أن الإمبراطور قسطنطين اعتنق المسيحية ولكنه اعتنقها على مذهب التوحيد الذي بات يعرف بالأريسية، وليس على مذهب نيقية المزيف.

ورجال الكنيسة يعلمون ذلك أكثر من غيرهم، ولكنهم يخفونه عن عامة المسيحيين الذين للأسف مثلنا نحن المسلمون لا يقرأون تاريخهم جيداً.

فلو قرأوا كتب التاريخ قليلاً لوجدوا أن كل المؤرخين المسيحيين القدماء والمعاصرين يجمعون على أن الإمبراطور قسطنطين العظيم اختار أن يعتنق المسيحية على يد يوسابيوس النيقوميدي.

الذي تجمع كل الكنائس أنه كان قائد الأريسيين الموحدين.

فلماذا اختار الإمبراطور أن يتم تعميده من قبل يوسابيوس النيقوميدي بالذات؟ سؤال ينبغي للمسيحيين أن يطرحوه على الكنيسة.

يكفيك أن تقرأ ما كتبه المؤرخ Mark Ellingsen في موسوعته التاريخية الكبيرة Reclaiming our Roots الرجوع إلى جذورنا.

بأن قسطنطين وخلفاؤه جعلوا الحياة بائسة جداً لزعماء الكنيسة النيقيين ودعوتهم التثليثية.

إخفاء الإمبراطور دينه لغاية سياسية

والمتابع لتصرفات الإمبراطور قسطنطين العظيم في سنواته الأخيرة يدرك تمام الإدراك أنه أسلم وآمن بالمسيح ودعوته التوحيدية منذ زمن.

ولكنه ربما بمشورة من يوسابيوس الحكيم لم يشأ أن يعلن ذلك حرصاً على نجاح الدعوة التي كان هناك احتمال كبير أن يتسبب خبر إظهار إسلامه إلى ظهور حركات تمرد من قبل الأساقفة النيقين.

الذين قويت شوكتهم بعد مجمع نيقية كما رأينا قبل أن يقوم قسطنطين بمعونة من يوسابيوس بسحب البساط من تحت أرجلهم بشكل متدرج لا يحدث أي اضطرابات سياسية.

على فكرة ليس فقط مؤرخو المسيحية يؤكدون اعتناق قسطنطين للتوحيد على يدي زعيم الموحدين يوسابيوس بل أيضاً ابن حزم الأندلسي يؤكد أن قسطنطين مات على التوحيد.

وذكر ابن حزم في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل:

والنصارى فرق منهم أصحاب أريوس وكان قسيساً بالإسكندرية وقوله بالتوحيد المجرد وأن عيسى عليه السلام رسول الله وهو عبد مخلوق وأنه كلمة الله التي خلق بها السموات والأرض.

وكان زمن قسطنطين الأول باني القسطنطينية وأول من تنصر من ملوك الروم ( استمعوا جيداً لما يقوله ابن حزم عن قسطنطين ) وكان على مذهب أريوس.

وفاة قسطنطين

وفي تاريخ 22 من شهر مايو من عام 337 انتقل إلى رحمة الله تعالى الإمبراطور الروماني الموحد قسطنطين العظيم.

مات هذا الإمبراطور المسلم في مدينة نيقوميديا عند صديقه ووزيره يوسابيوس النيقوميدي أسقف تلك المدينة.

رحم الله قسطنطين العظيم.

ماذا بعد قسطنطين

ولكن ماذا حصل بعد وفاة الإمبراطور قسطنطين العظيم؟ وماهي التحركات العملية التي قام بها يوسابيوس لدعوة البشر في مشارق الأرض ومغاربها إلى دين المسيح عليه السلام؟

ومن هو الإمبراطور البيزنطي المسلم الذي امتد نفوذه من انجلترا غرباً وحتى الهند شرقاً؟ ومن هو البطل الألماني العظيم الذي أسلم فغير بعد إسلامه من تاريخ أوروبا وأفريقيا على حد سواء؟

وكيف اعتنقت غالبية شعوب أوروبا الإسلام قبل ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم ؟وما هي الوسائل التي استخدمها الرومان لإجبارهم على ترك الإسلام؟

ومن هو القائد الأوروبي الموحد الذي يعتبره الأوروبيون في أدبهم بطلاً أسطورياً كبيراً بعد أن استطاع أن يؤسس إمبراطورية أوروبية موحدة تمتد مساحتها على أراض تابعة لسبع عشر دولة أوروبية؟

ومن هو الملك الأوروبي المسلم الذي استلهم منه مؤلف رواية ملك الخواتم إحدى شخصياته؟ وما علاقة العالم الإنجليزي إسحاق نيوتن بالتوحيد؟ وهل كان مكتشف الجاذبية مسلماً؟

وما هو المذهب التوحيدي؟ ومن هم الرؤساء الأربعة للولايات المتحدة الأمريكية الذين كانوا ينتمون لمذهب التوحيد؟

خاتمة

كان من المخطط لهذه الحلقة أن تكون الحلقة الأخيرة في هذا الجزء، ولكني وبعد الإبحار في قصة أريوس أدركت أن قصته لم تكن سوى البداية.

في هذ الحلقة حاولنا نفض الغبار عن ذكرى بطل عظيم أخرجته الإنسانية اسمه أريوس البطل، الذي اعتقد غزاة التاريخ واهمين أنهم تمكنوا من محو اسمه عن الوجود.

في الحلقة القادمة إن شاء الله سنكمل بقية القصة، لنحكي حكاية ملحمة تاريخية عظيمة أخفاها هؤلاء الأوغاد عن عمد لكي لا تصل إلي وإليك.

إنها الحكاية التي لا يراد للبشرية أن تعلمها، حكاية الأريسيين.

كونوا في الموعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

ما هو رد فعلك؟
+1
2
+1
1
+1
0
+1
1
+1
0
+1
0
+1
0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى