إسلامشخصيات

الهمة في طلب علم الحديث – بقي بن مخلد




طارق سويدان- قصة وفكرة- بقي بن مخلد

بقي بن مخلد : التعليم هو سبب رئيسي من أسباب ضعف أمتنا وتأخرها اليوم، وسببنا اليوم أن معظمهم مائل إلى الترف والكسل وهذا سبب آخر لتخلفنا.

اليوم سنتحدث عن عامل رئيسي للنهضة والعزة، وهو الهمة في طلب العلم، التي لا يمكن أن ننافس الأمم الأخرى من دون الهمة في طلب العلم.

ونموذجنا من التاريخ يوم كنا خير أمة، لشخصية كانت مثالاً فريداً ليكون قدوة للشباب في طلب العلم.

ولادة بقي بن مخلد

الإمام بقي بن مخلد، ولد في رمضان في سنة 21 هجرياً، فقيه وإمام ومفسر من أهل الأندلس، له تفسير كتاب القرآن، وكتاب في علم الحديث مرتب حسب أسماء الصحابة، وله كتاب آخر في فتاوى الصحابة والتابعين.

وكان من أعظم العلماء في زمانه، من بين علماء الأندلس، لم يصل إلى هذه الرتبة من العلم، بالركون إلى الراحة، أو الاكتفاء بطلب العلم، والتحصيل العلمي في حلقات العلم في بلده.

رحلة بقي بن مخلد في طلب علم الحديث

بل سعى في رحلة طويلة وشاقة، ولولا أنها مذكورة في كتب التاريخ الموثقة، ومروية عن كبار علماء التاريخ، كان من الصعب تصديق رحلة العلم.

وكان نتيجتها أنه بعد هذه الرحلة يعود الإمام بقي بن مخلد، إلى الأندلس وقد أصبح أعظم علماءها.

الكتب التي أدخلها على الأندلس

أدخل إلى الأندلس مصنف بن أبي شيبا، وكتاب الإمام الشافعي، وكتابي التاريخ والطبقات، للخليفة بن الخياط، وسيرة عمر بن عبد العزيز.

يروى أنه عندما دخل بمصنف بن أبي شيبا إلى الأندلس، نكره بعض أهل العلم، فاستدعاه الإمام محمد بن عبد الرحمن، والعلماء الذين أنكروه.

وتصفح الكتاب إلى نهايته، ثم أمر خازن الكتب، باستنساخه وقال للإمام بقي بن مخلد، أنشر علمك واروي ما عندك.

ونهى أي من العلماء أن يتعرضوا له، وعرض عليه الإمام المنذر بن محمد، أن يستلم القضاء على قرطبة، فرفض.

لم يكن الإمام بقي بن مخلد، ليصل إلى هذه المكانة العظيمة من تسليم علماء الأندلس له، واستعداد أكبر العلماء أن يسلموه القضاء.

دون أن يكون قد عانى معاناة طويلة وشاقة، في تحصيل العلم من كبار العلماء، في الدولة الإسلامية، من مغاربها إلى مشارقها.

الهمة في طلب علم الحديث وبداية الرحلة من الأندلس

بداية سعي بقي بن مخلد للوصول إلى العلم، كانت في الأندلس فسمع في الأندلس من علماءها، من محمد بن عيسى الأعشى، ويحيى بن يحيى الليثي.

ثم أحب أن يتوسع في طلب العلم، ويقول بقي بن مخلد: لم أترك عالم من علماء الأندلس إلا وتعلمت لديه، ولم أعرف واحد من علماء الأندلس يروي الحديث، إلا وحفظت كل الأحاديث عنه.

كان يعرف كل علماء الأندلس، ولم يكتفي، وأحب أن يتوسع في طلب العلم، فرحل إلى المشرق، وكانت رحلته هذه هي قصتنا الرئيسية.

الرحلة إلى المشرق في طلب علم الحديث

سار بقي بن مخلد إلى الحجاز، ومصر ودمشق وبغداد والكوفة والبصرة، طبعاً كل شمال أفريقيا، وسمع من نحو مئتين وأربع وثمانين عالم، وحفظ منهم أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن العلماء الذين روى عنهم بقي بن مخلد، أحمد بن حنبل، وابن أبي شيبا، وسحنون، وقصة رحلته في طلب علم الحديث، كانت عادية، في ذلك الزمن، فكثير من الناس كانوا يرحلون لكل العلم.

وضع بغداد وقصة سجن الإمام أحمد بن حنبل

وقبل أن نتحدث عن المخاطر والتضحيات التي صبر عليها العالم بقي بن مخلد، في طلب علم الحديث، سنستعرض أوضاع بغداد في تلك الفترة، ومحنت العلماء أمام السلطة.

فقد تحدثنا سابقاً بأن الإمام أحمد بن حنبل، فقد سجن الإمام سنتين وأربعة أشهر، في مسألة خلق القرآن، ورفض موافقة الخليفة المأمون، ومن بعده الخليفة المعتصم، والواثق.

فكانوا يطلبون منه أن يقول أن القرآن، هو مخلوق من مخلوقات الله، وليس كلام الله، لأن الله عندهم لا يتكلم.

فرفض وقال أن القرآن هو كلام الله، وليس بمخلوق، فسجنوه وعذبوه، وكانت هذه المحنة حدث غريب ومحير في تاريخنا الإسلامي، خاصة أنها بدأت في العهد الذي اعتبر عهد الثقافة، وعه

 العقلانية.

ويبدو أن المحنة كانت محاولة من المأمون لتأمين كامل السيطرة على الخلافة، ليس فقط السيطرة السياسية، وإنما حتى السيطرة على العلماء، والمؤسسة الدينية.

وصول بقي بن مخلد لطلب علم الحديث إلى بغداد

وفي أوج فتنة خلق القرآن، وفي ظل هذه الأجواء المحتقنة، وصل بقي بن مخلد إلى بغداد، وظلت هذه القصة إلى أن جاء المتوكل، ورفعت قصة خلق القرآن.

ومرض بن أبي تؤدة، زعيم المعتزلة في بغداد، بالشلل الكامل، والذي أقعده أربع سنوات، واسترد منه المتوكل كل أمواله.

وكان الإمام أحمد بن حنبل يصلي من الليل، قبل ضربه كان يصلي عشرات الركعات، وبعد مرضه الشديد ظل على هذا المنوال، ولكن بسبب المرض قلت صلاته.

حديث بقي بن مخلد عن رحلته في طلب علم الحديث

يقول بقي بن مخلد عن الرحلة التي استغرقت خمس سنوات: رحلت ماشياً على قدمي، من الأندلس فذهبت إلى مكة، ثم إلى بغداد، فقطعت هذه المسافة ماشياً.

وكان همي وبغيتي ملاقاة الإمام أحمد بن حنبل، وبعد هذه الرحلة، دخلت بغداد وإذا بلغتني محنة الإمام أحمد وما حل به وأنه في منزله، بشكل إجباري، وأي شخص يقابل الإمام أحمد بن حنبل، يرمى في السجن، فاغتممت غماً شديداً.

فأجرت بيتاً في خان أنام فيه، وفي فجر اليوم التالي دخلت إلى المسجد، فإذا برجل يتكلم في علم الرجال (أي علم رواة الحديث).

فكان الموجودين يسألونه عن الرجال الذين نقلوا الحديث، فيقول إما هذا صادق أو كاذب، فتعجب بقي بن مخلد، فكيف يعرف جميع هؤلاء الرجال ناقلي الحديث؟

فسأل الجالس بقربه: من هذا الرجل؟ فقال له: ألا تعرفه؟ هذا أكبر عالم في الأمة في الجرح والتعديل، هذا يحيى بن معين.

يحيى بن معين

ويحيى بن معين كان صاحب الإمام أحمد ورفيقه، لكنه لم يقف بقربه أثناء فتنة خلق القرآن، تنازل وسكت.

يقول بقي بن مخلد: فأحببت أن أسأله عن بعض الرجال الذي في الأندلس، فحاولت أن أقترب منه، ودنوت منه ووقفت وقلت له:

يا أبى زكريا رحمك الله، أنا رجل غريب بعيد عن وطنه، جئت من الأندلس ماشياً، أحب السؤال ولدي أسئلة كثيرة، فاصبر علي.

فقال يحيى بن معين: أنت أولى من غيرك، فقل، فقلت: ما تقل في فلان؟ فضعفه، ثم سألت ما تقل في فلان؟ فوثقه.

وما سألته عن أحد من الأندلس ومن غير الأندلس، حتى عرفهم يحيى بن معين، يقول: تعجبت كيف يعرف علماء الأندلس كما أعرفهم أنا.

وطلب التلاميذ الذين في حلقة يحيى بن معين: يكفيك رحمك الله، غيرك له سؤال، فقلت: لم يبقى لي سؤال إلا عن رجل واحد.

فقال: اسأل، فقلت: أسألك ما تقول في أحمد بن حنبل؟ فنظر إلي يحيى بن معين، كالمتعجب وقال: لي ومثلنا نحن نكشف عن أحمد بن حنبل؟

ذاك إمام المسلمين، ذاك خير المسلمين، وأفضل المسلمين وأعلم المسلمين، والله ما على الأرض أفضل ولا أعلم من أحمد بن حنبل.

وضجت الناس بشكل كبير، فخرجت من المسجد من فوري، وقلت من المستحيل أن لا ألقى بعد ذلك أحمد بن حنبل.

لقاء بقي بن مخلد بالإمام أحمد بن حنبل

فسألت عن بيته فدلوني عليه، فذهبت إليه، وطرقت عليه الباب، فخرج إلي، وقلت له: يا أبا عبد الله، رجل غريب بعيد عن بلده، جئتك من الأندلس ماشياً، وهذا أول يوم أدخل بغداد.

وأنا طالب الحديث، ومقيد السنة، ولم تكن رحلتي إلا إليك، لأتعلم منك، فقال لي: وأين موضعك، فقلت: المغرب الأقصى، فقال: في أفريقيا؟

قلت: أبعد من أفريقيا، لم أنتقل إلى المغرب إلى عبر البحر، فبلدي الأندلس، قال الإمام أحمد بن حنبل: إن موضعك لبعيد، وما كان شيء أحب إلي من أحسن عون شخص مثلك يطلب العلم.

ولكنك تعلم أنني ممتحن، ولا يسمح لي بملاقاة الناس والتحدث إليهم، إني مسجون في بيتي، فقلت: بلغني ما أنت فيه، وهذا دخولي على بغداد وأنا مجهول العين، أي لا يعرفني أحد.

فإن أذنت لي آتيك كل يوم، بثياب الفقراء، وأقف عند بابك وأقول ما يقوله الفقراء، فتخرج لي عند الباب، وتعطيني كل يوم حديث.

فقال الإمام أحمد متعجباً: موافق لكن على شرط، أن تظهر في الناس، ولا يتعرف عليك أحد، ولا تذهب إلى مجالس علماء الحديث، حتى لا يشتهر أمرك، فقلت: لك شرطك.

سعي بقي بن مخلد إلى باب الإمام لطب علم الحديث في الخفاء

يقول بقي بن مخلد: فكنت كل يوم من الخان آخذ عصاً، وألف رأسي بقماش وسخ، وأجعل أوراقي التي أكتب بها داخل لباسي، وآتي باب أحمد بن حنبل وأصيح، الأجر يرحمكم الله.

فيخرج إلي الإمام أحمد ويدخلني عند الباب، ويغلقه ويحدثني، الحديث لكي أحفظه، وعن علم الرجال بنقل الحديث.

الخليفة المتوكل

وبقيت الأمور على هذا الحال، إلا أن مات الخليفة الواثق، وتولى بعده الخليفة المتوكل، أظهر ميلاً عظيماً للسنة، ورفع فتنة خلق القرآن، وكتب أن القرآن كلام الله وليس بمخلوق.

واستقدم المحدثين والعلماء إلى سامراء عنده، وأعطاهم وأكرمهم، وبدأ الناس كلهم يدعون للخليفة المتوكل.

وبالغ الناس في الثناء عليه وتعظيمه، حتى قيل أن الخلفاء ثلاثة أبو بكر الصديق في قتال الردة، وعمر بن عبد العزيز في رد المظالم، والمتوكل في احياء السنة.

فك أسر الإمام أحمد بن حنبل

ثم قام المتوكل بنصر الإمام أحمد ونكل بكل أعداءه، وظهر الإمام أحمد للناس، وسمي إمام المسلمين، وبلغ منزلة لم يبلغها ملك، ولا قائد ولا أمير.

يقول بقي بن مخلد: لم ينسى الإمام أحمد معاناتي معه في طلب علم الحديث، فكنت بعد ذلك إذا حضرت عنده في حلقاته، وكانت مكتظة بالناس المستمعين من كل أصقاع الأرض.

فكنت عندما تبدأ الحلقة أصرخ، يا إمام أن بقي بن مخلد، فيشير الإمام إلى تلاميذه، فيوسعوا لي في المجلس، ويجلسني قربه، ويقص على أصحاب الحديث قصتي معه.

فكان يلتفت إلي ويقرأ علي الحديث، وأقرأه عليه، وأسأله عن ما أشاء، حتى أشبع فأستحي من الناس فأقول: كفى يا إمام، فكان لا يلتفت إلى أحد حتى ينتهي مني.

مرض بقي بن مخلد

يقول: ومرت الأيام وأنا على تلك المكانة عند الإمام أحمد، ثم أصابني مرض، فأرقدني في سريري، وفقدني الإمام من مجلسه، فسأل: أين بقي بن مخلد؟

فأخبروه أني مريض، فقام الإمام أحمد بعد الحلقة، من فوره آتياً إلى زيارتي، وجاء الناس معه، وكنت لا أعلم، وكسائي علي وكتبي عند رأسي.

فسمعت الدار ترتج، فكان كل الذي في الخان يصرخوا، هو ذاك أبصروه، هذا إمام المسلمين قد أتانا، فأسرع إلي صاحب الخان: يا بقي هذا أحمد بن حنبل إمام المسلمين، جاء يزورك أنت؟

فلم أستطع أن أقوم من شدة المرض، فدخل علي الإمام أحمد، وجلس عند رأسي وامتلأ الخان بأصحابه، حتى صارت فرقة منهم داخل البيت ومنهم خارجه.

والذين هم داخل البيت معهم أقلامهم وأوراقهم، حتى يسجلوا الحديث الدائر، وبدأ الإمام يكلمني، فما زادني على هذه الكلمات.

قال: يا أبا عبد الرحمن، أبشر بثواب الله، أيام الصحة لا سقم فيها، وأيام السقم لا صحة فيها، أعلاك الله إلى العافية، ومسح عليك بيمينه الشافية، ثم خرج.

فأتاني كل الناس الموجودين، يتلطفون بي ويخدموني، بالفراش واللحاف وأطايب الأطعمة، وكانوا في تمريضي أكثر من تمريض أهلي لو كنت بينهم.

ويجب أن نعلم أن الإمام بقي بن مخلد القرطبي الأندلسي، قام برحلتين إلى مصر والشام والحجاز وبغداد، امتدت أربعة عشر عاماً.

والرحلة الثانية ذهب بها عشرين عاماً، يقول الإمام الذهبي: بوجود بقي من مخلد وبمحمد بن وضاح، صارت الأندلس دار حديث، وكان إماماً مجتهداً صالحاً، وصادقاً مخلصاً ورأساً في العلم والعمل.

 

ما هو رد فعلك؟
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
1
+1
0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى