الوجه الخفي للصراع في الكلاسيكو

الوجه الخفي للصراع في الكلاسيكو
الوجه الخفي للصراع في الكلاسيكو

الوجه الخفي للصراع في الكلاسيكو

الكلاسيكو عندما تسمع هذه الكلمة قد يخطر في بالك أنها مجرد مباراة بين قطبي الكرة الإسبانية، ريال مدريد وبرشلونة، وإن كنت من مشجعي برشلونة، فأنت تحفظ عن ظهر قلب هذا الشعار، أكثر من مجرد نادٍ.

في عام 1943 وبين شوطي مباراة العودة في أحد جولات الكأس الإسباني، هدد رئيس أمن الدولة في حكومة فرانكو، لاعبي برشلونة بضرورة الهزيمة، بعد أن تقدموا في مباراة الذهاب بثلاثة أهداف نظيفة.

انتهت المباراة بنتيجة كرتونية لنادي ريال مدريد، وصلت 1-11 هدف، ولكن الفيفا رفضت إعتماد هذه النتيجة، وظل هذا الحدث وصمة عار في التاريخ، والصادم أكثر من ذلك هو غموض عميق في تاريخ الكلاسيكو.

في عام 1925 في إسبانيا وتحديداً مدينة برشلونة، قامت مباراة بين إحدى الفرق الإنجليزية، ونادي برشلونة، وحضر النشيد الوطني الإسباني.

وقف له الجمهور الكاتالوني إحتراماً، حينها رأى العالم مدى اعتزاز الكاتالونيين بقوميتهم، ورغبتهم الشديدة في الإنفصال عن إسبانيا.

وحينها اشتعل غضب السلطات الإسبانية، وبدأت ويلاتها، فقامت بطرد مؤسس ورئيس نادي برشلونة جوان غامر، ثم أوقفت نشاط النادي لمدة ستة أشهر.

الكلاسيكو – ناقوس الخطر

الكلاسيكو - ناقوس الخطر

عقب هذه الحادثة بأحد عشر عاماً، اندلعت الحرب الأهلية الإسبانية، صراع بين أنصار الملكية وأنصار الجمهورية، لم يبتعد عن ملاعب كرة القدم.

لقد كان الإنقلاب العسكري الأخير والحرب الأهلية الأخيرة، في تاريخ غرب أوروبا الحديث، الملكيون بقيادة الجنرال فرانكو، توجهوا بقوتهم العسكرية لإسقاط الحكومة المناصرة للجمهورية.

وذلك بدعم من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، أما إقليم كاتالونيا الذي إنحاز إلى الجمهوريين المدعومين من قبل الإتحاد السوفيتي، دفع الثمن باهظاً، ليس بإعدام رئيسه التاريخي جوسيب سانيول فحسب.

بل بقصف كاتالونيا جوياً في عام 1938، ليسقط عشرات الآلاف من القتلى في ثلاث أيام فقط.

إنهار مقر نادي برشلونة تحت القصف، ودفنت الكؤوس التي حققها تحت الأنقاض، وبعد وقف إطلاق النار أعدم 25 ألف من أهل الإقليم المقاوم.

زمن الحديد والنار

انتهت الحرب في عام 1939 بفوز معسكر فرانكو، بعد مقتل نصف مليون إنسان، وكان لا بد للعسكري الطامح من الإستيلاء على الحكم.

بعد انقلابه على الملكية، التي كان يدافع عنها، لتدخل إسبانيا لمدة 36 عاماً من الحكم بالحديد والنار.

ملاذ فرانكو الآمن

أدرك فرانكو مبكراً قوة كرة القدم، وفهم أن شعبية الأندية يمكن لها أن تصبح جسراً لطموحاته السياسية، لذلك حاول قمع أقاليم الباسك وكاتالونيا الإنفصالية.

بضرب أنديتها الكروية، وفي هذه المرحلة بالتحديد ظهر شعار برشلونة الشهير لأول مرة أكثر من مجرد نادٍ.

النجاح الحقيقي الذي حققه الديكتاتور العسكري فرانكو تمثل في استخدام ريال مدريد كوسيلة لإختراق العزل المفروض عليه، من المحيط الأوروبي، نتيجة تحالفاته السابقة مع النازيين والفاشيين.

صفقة مشبوهة

في بداية حكم فرانكو ما بين عامي 1939 و1954، لم يفز ريال مدريد بأي لقب إسباني هام، في حين فاز برشلونة بخمسة ألقاب.

خسائر متتالية جعلت فرانكو يقدم على ما لم يستطع هتلر الإقدام عليه، حيث أنه في عام 1943 ونتيجة تهديد أمني للاعبي برشلونة، بضرورة الهزيمة أمام ريال مدريد.

سجل العالم نتيجة رياضية كرتونية، أقرب لعالم كرة السلة، فقد بلغت الأهداف إحدى عشر مقابل هدف واحد، الفيفا رفضت اعتماد هذه النتيجة، وبقي هذا الحدث وصمة عار في التاريخ.

حدث غريب آخر وقع، بطله اللاعب الأرجنتيني ألفريدو دي ستيفانو، الذي تعاقد مع نادي برشلونة ولعب معه ثلاث مباريات ودية.

تدخل الجنرال فرانكو بطريقة غير مباشرة، لعرقلة صفقة اللاعب القادم من نادي ميلوناريوس الكولومبي، ودفع بها في مصلحة ريال مدريد.

الفيفا تدخلت وأقرت اتفاق برشلونة، ولكن فرانكو إلتف عليها عبر الإتحاد الإسباني، الذي أصدر قراراً بمنع شراء اللاعبين الأجانب.

وبذلك أصبح مصير إنتقال ألفريدو دي ستيفانو في يد فرانكو، وفي إتفاق هزلي، تقرر أن يتم اقتسام اللاعب، موسم في ريال مدريد، وموسم في البرسا.

وفي موسم ألفريدو دي ستيفانو الأول لريال مدريد، أحرز رباعية في شباك برشلونة في الكلاسيكو الأول، لم يتم الإتفاق بالطبع كما كان مخططاً له.

فبدأ عهد ألفريدو دي ستيفانو مع جلاكتيكوس الريال الأول، الذي سيطر على كرة القدم الأوروبية، في النصف الثاني من الخمسينيات، مانحاً الجنرال فرانكو المكاسب السياسية الخارجية التي أرادها.

العصر الذهبي لنادي ريال مدريد

فرانكو كان يستلهم من ألمانيا النازية التي استغلت أولمبياد برلين كدعاية للنظام هناك، ومن إيطاليا الفائزة في كأس العالم، والتي كان يغني منتخبها الدوتشي قبل وعقب كل إنتصار.

قرر فرانكو لنادي ريال مدريد، أن يلعب هذا الدور، ووجه دعمه الكامل لورقته المهمة، تعاقد ريال مدريد مع أفضل اللاعبين من طراز ألفريدو دي ستيفانو وبوشكاش.

وبدأ بحسم الألقاب الأوروبية الخمسة الأولى في التاريخ بشكل متتال، وبذلك أصبحت صورة إسبانيا في أوروبا، يصنعها الفريق الكروي الذي يجتاح ملاعب الخصوم.

في أمم أوروبا عام 1960، انسحب المنتخب الإسباني أمام المنتخب السوفيتي المرعب، خوفاً من الهزيمة أمام المعسكر الشيوعي، الذي ساند الديمقراطيين أثناء الحرب الأهلية.

وهو ما لم يتكرر في أمم أوروبا عام 1964، فالهزيمة حينها لم تكن خياراً يمكن أن يتقبله فرانكو، عندما تواجه المنتخبان في نهائي البطولة.

وبالفعل استطاع المنتخب إلحاق الهزيمة بالسوفييت، وتحقيق لقبه الأول والوحيد في القرن العشرين.

كرة القدم أفيون الشعوب

لا يمكن فصل كرة القدم عن السياسة، وفي عالم يحكمه فرانكو، لم تنحصر المكاسب بالكؤوس والألقاب، فقد استطاع الحاكم العسكري تشتيت الإنتباه داخلياً، عن فساد حكومته وقوانينها الجائرة.

أما دولياً، فقد تمكن من إعادة العلاقات مع المحيط الأوروبي، خاصة وأنه وجد لنفسه مكاناً في الخطة الأمريكية، لمواجهة المد الشيوعي السوفيتي في أوروبا.

واستطاع الجنرال أخيراً أن يتخلص من وصمة عار أصدقائه السابقين، هتلر وموسوليني، ومات فرانكو في عام 1975 ولكن العداوة التي خلفها في كرة القدم لم تمت معه.

في الكلاسيكو موسم 2012 في الكامب نو، وأمام ما يفوق 400 مليون متابع عبر قنوات البث التلفزيوني، رفع 98 ألف مناصر كاتالوني لافتات تحمل ألوان الأحمر والذهبي.

هاتفين بكلمة واحدة، الإستقلال، ومرت خمس سنوات ليأتي موسم 2017، حاملاً معه استفتاء شعبياً عن استقلال الإقليم، البالغ عدد سكانه 7.5 مليون نسمة.

ويوم عقد الإستفتاء، وبينما كانت الشرطة الإسبانية تقمع المتظاهرين في الشوارع، كان جدول الدوري قد وضع، بحيث يلعب برشلونة ضد لاس بالماس، على الكامب نو في ذات اليوم.

نادي برشلونة الذي لم يكن مجرد نادٍ، كما يقول الشعار، لم ترى إدارته أنه من المنطقي إقامة المباراة، بعد وقوع 800 حالة إصابة إثر الإشتباكات بين الشرطة والمواطنين.

ولكن الإتحاد الإسباني أصر، وهدد برشلونة بالعقوبات في حال تأجيلها، قائلاً أن تأمين المباراة هو مهمة الشرطة الكتالونية، رضخ النادي ولكن بشرط واحد، أن تعقد المباراة بلا جمهور.

مباراة وفوز بلا جمهور

في استاد بأبواب مغلقة على سبيل الإعتراض، لعب برشلونة حينها رغماً عنه، وفي الخارج كانت كاتالونيا تهتف الإستقلال الإستقلال.

تخطى الأمر إسبانيا وأصبح دولياً، حيث أن منتخب إسبانيا فاز بكأس العالم في جنوب أفريقيا، وكارليس بويول وتشافي هيرناندز، يرفعان راية الأحمر والذهبي أثناء الإحتفال.

بيب غوارديولا تعرض لعقوبات من الإتحاد الإنجليزي لكرة القدم، بسبب إرتداء شارة سياسية على المعطف، ودفع الغرامة، ولكنه استمر في إرتداء الشارة الصفراء على صدر معطفه.

يبقى الكلاسيكو مثالاً على صراع، نشأ من جذور سياسية لم تنته حتى اليوم، وتبقى مباريات ريال مدريد وبرشلونة، تمثل أهمية خاصة تتجاوز خطوط الملاعب البيضاء.

ريال مدريد حيث الفرصة الإسبانية الدائمة، للتأكيد على مركزية مدريد وقبضتها على كل أقاليم البلاد.

وبرسا حيث الفرصة الكاتالونية المستمرة المقاومة، ضد الطابع الإسباني الذي لا يراه إقليم كتالونيا معبراً عنه.

الكلاسيكو إذن مواجهة سياسية وصراع على الهوية، بين هوية إسبانيا متمثلة بنادي ريال مدريد، وهوية كتالونيا متمثلة بنادي برشلونة.

 

المصدر يوتيوب قناة ميدان

ما هو رد فعلك؟
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0

قد يعجبك أيضاً

اترك تعليقاً