شخصيات

بديع الزمان النورسي الجزء الثالث

النورسي / دمشق الجامع الأموي عام 1911 خطبة على المنبر:

إن قصدنا من المدنية هو محاسنها وجوانبها النافعة للبشرية، وليس ذنوبها وسيئاتها، كما ظن الحمقى من الناس، أن تلك السيئات محاسن فقلدوها، وخربوا الديار، فقدموا الدين رشوةً للحصول على الدنيا فما حصلوا عليها ولا حصلوا على شيء.

رغبت حكومة أنقرة بالاستفادة من بديع الزمان سعيد النورسي ..

وطمحت في كسبه إلى صفها من أجل بناء النظام الجديد في شرق الأناضول على أسس متينة صارمة، لكنه رفض هذا الاقتراح المغري رداً للبقاء تحت سطوة النظام.

لم يرغب النورسي في مواجهة مصطفى كمال باشا والنظام الجديد بشكل ظاهر، ولم يرغب في الوقت نفسه أن يكون جزءاً من سلطاته ونظامه.

واصل مسيرته على هذه الاستقامة حتى وفاته ..

تقول عنه شكران واحدة الباحثة في حياة بديع الزمان سعيد النورسي:

اكتشف بديع الزمان سعيد النورسي غايته ومهمته في الحياة في سنه المبكر جداً، وبنى حياته حول هذه الغاية والمهمة منذ نعومة أظافره, وكرس جهده عليها.

وضحى بنفسه تجاه مهمته هذه, وعمل في إطار هذه الغاية مطرداً, ولهذا السبب لم يتزوج قط, ولم يكن له مال ولا بنين.

غادر منزله الكائن في قرية نورس في العاشرة من عمره, وكرس جل جهوده في خدمة الإسلام والمسلمين والإنسانية قاطبةً, وقضى عمره في المدارس الدينية والمساجد والسفر الدائم.

ولم يكن له أي شيء يختص به أو يملكه, وقيل في حقه كل ما يملكه كان عبارة عن سلة وإبريق شاي ومسخن ماء وبضعة أقداح, وسجادة صلاة فقط, وكانت كل حياته عبارة عن ذلك.

تبنى بديع الزمان سعيد النورسي حتى وصوله إلى هذه النقطة فكرة قدرته على خدمة الإيمان والإسلام عن طريق التأثير على السلطات السياسية.

في الواقع أن حكومة أنقرة عند دعوته له كان يبحث عن ذلك السعيد القديم الذي كان يعرفه من قبل, شهد بديع الزمان عام 1921 انقلاباً فكرياً كبيراً في اسطنبول بتعبيره الخاص أنه دفن سعيد القديم وأقام مكانه سعيد الجديد.

سعيد النورسي الجديد

لكن هذا لم يتحقق، التطورات التي حدثت في تركيا والعالم كانت ستخرجه من العزلة التي آل إليها وتجعله على رأس جدول أعمال البلاد.

وكان بديع الزمان سعيد النورسي سيصبح رائداً لخدمة تنتشر على طول كل البلاد بعد عمرٍ أمضاه في النفي والسجون.

إلى هنا كانت حياتي طافحةً في خدمة البلاد, وفق ما كنت أحمله لخدمة الدين عن طريق السياسية, ولكن بعد هذه الفترة, وليت وجهي كلياً عن الدنيا, وقبرت سعيداً القديم, حسب اصطلاحي, أصبحت سعيداً جديداً يعيش كلياً للآخرة, فانسللت من حياة المجتمع, ونفضت يدي عن كل ما يخصه

اقتباس من حديث النورسي

رجلٌ خاطب مفاهيم عصره وعلماء الشام في المسجد الأموي الشهير في دمشق عام 1911 وكان يؤمن بأن القوة السياسية المنقادة إلى الوجدان والمحاكمة الإسلامية, باتفاق القلب والعقل ستحل جميع المشاكل والمحن دون أي عائق.

النورسي دمشق الجامع الأموي عام 1911 خطبة على المنبر

إن اليأس داءٌ عضال للأمم والشعوب, أشبه ما يكون بالسرطان, وهو المانع عن بلوغ الكمالات, والمخالف لروح الحديث القدسي الشريف, وذريعتهم وليس هو من شأن الشريعة الإسلامية قط, وليس هو من شأن العرب الممتازين بسجايا حميدةٍ هي مفخرة البشرية, ولقد تعلم العالم الإسلامي من ثبات العرب وصمودهم الدروس والعبر, وأملنا بالله عظيمٌ أن يتخلى العرب اليأس و يمدوا يد العون والوفاق الصادق إلى الترك, الذين هم جيش الإسلام الباسل, فيرفعوا معاً راية القرآن عاليةً خفاقةً في أرجاء العالم.

اقتباس من خطبة النورسي

ويفيد أنه بعد إنقضاء ما يقرب من 14 عاماً انسحب بتراجعٍ كاملٍ إلى زاويته واعتكف منعزلاً في الكهوف في المناطق التي ولد فيها.

هل كان هذا تراجعاً أم كان على أسلوب التغيير في المجاهدة ؟

ليس لمفهوم التراجع معنى في أدبياته وحياته الممتلئة بالمحن والكروب التي لا يتسنى لروحٍ عاديةٍ أن تطيقها, إنما هي بمثابة الختم والتصديق لهذا الحكم.

ولد هذا الرجل في قرية تعد حتى اليوم زاويةً نائيةً في شرقي الأناضول في تركيا, وقضى عمره البالغ 84 عاماً بالمجاهدة من أجل إنقاذ المسلم, ذكر بالأمل.

حضر على المسلمين في وقت قبل العالم الإسلامي فيه الهزيمة أمام القوات الغربية, ورفع راية الاستسلام له.

خلف وراءه كليات رسائل النور التي تتألف من آلاف الصفحات, وقد ترجمت هذه الرسائل بعد أن وافه الأجل إلى أكثر من خمسين لغةٍ عالمية, وفي يومنا هذا هناك الملايين في أنحاء العالم ممن يقتفون أثره ويمشون في مساره.

عالمٌ ورجل دين, ومجاهدٌ ومفكرٌ عظيم,  تأثيره سبقه ولقبه سبق إسمه.

بديع الزمان النورسي / المرحلة الثانية / سعيدٌ الجديد

“كونوا على أمل إن أعظم صوتٍ ينعكس في انقلابات المستقبل هو صوت الإسلام الهادر”

يقول الأستاذ الدكتور نوزاد ترهان طبيب نفساني:

نشاطه بالحفاظ على الإحساس بالأمل أمر مهم وتطبيق في غاية الأهمية.

ماذا يجد الذين عرفوه في حياته أو الذين تعرفوا عليه من خلال مؤلفاته, ماذا يجدون في بديع الزمان سعيد النورسي.

يقول سعيد أوزدمير أحد تلامذته القائمين على خدمته:

في إحدى رسائله: إن الذين نفوني من سجن إلى سجن, والذين عانيت منهم أشنع أنواع المظالم والتعذيب فاشهدوا أن أنقذوا إيمانهم فلا ضير, إنني أقنعت نفسي وفؤادي في البقاء في السجن.

يقول محمد كولج أحد تلاميذه القائمين على خدمته:

كان يقول لطلابه الذين نحن, افعلوا مثلي أنا واعفوا عنهم, ولا تقابلوهم أبداً بما فعلوا من المظالم والعنف والتعذيب, وادعوا لهم بالخير.

يقول عنه إحسان قاسم صالحي مترجم رسائل النور إلى العربية:

ويعجب بشيخوخته ويحمد الله سبحانه وتعالى, أكثر مما هو رأى, وإذا هو كان مريض يقول يا رب لك الحمد, وهكذا, حتى وهو في السجن يقول دخلنا السجن وتعذيب وإهانة وكذا, ولكن هو يقولها هذه مدرسة ودخلها سيدنا يوسف عليه السلام, فلهذا لا يسميه سجن بل يسميه مدرسة يوسفية.

يقول توماس ميجهل راهب كاثوليكي إمريكي:

قبل بضع سنوات أصبت بنوبة قلبية وأجريت عملية جراحية في القلب ثم وضع لي استند, وفي طريق التحسن كنت أقرأ رسالة المرضى, فوجدتها مفيدة جداً وقرأتها في تلك الأوقات وساعدتني لأنني قضيت عملية جراحية خطيرة في القلب.

تقول عنه شكران واحدة الباحثة في حياة بديع الزمان سعيد النورسي: أعتقد أن كل ما يقوم بقوله هو قلب الرسائل القرآنية.

يقول أديب دباغ أديب وشاعر عراقي: روح القرآن الكريم تسري في روح الأستاذ النورسي.

” من يفكر جميلاً, يرى كل شيء جميلاً, ومن رأى جميلاً, تلذذ من الحياة”

التمرد والعصيان

الآن سنتابع مسار الأسباب التي أجبرت سعيداً الجديد على التعامل بشكل مختلف عما كان عليه من قبل, وبينما يحاسب سعيد الجديد سعيد القديم في كهفه, كان في الخارج حسابٌ دموي عسير على وشك الابتداء.

التمرد والعصيان الذي تفجر في الثالث عشر من شباط فبراير عام 1925 أخذ بديع الزمان على حين غرة, ودون تأهب, هو لم يشارك في التمرد والعصيان, ولم يكن له أي يدٍ فيهما, بل وحرص على أن يبقى بعيداً عنهما.

يقول عبد الله يكن أحد تلاميذه القائمين على خدمته: على سبيل المثال لقد ثار الشيخ سعيد في الشرق وطلبوا العون من الأستاذ, لكن الأستاذ قال: ماذا تريدون؟

قالوا: إننا نريد الشريعة لذلك ثرنا وخرجنا على النظام.

وماذا قال: إنكم تريدون الشريعة, وتخالفون أحكام الشريعة بأفعالكم هذه, إنني لا أقاتل أحفاد أمةٍ حملت راية الإسلام طوال ألف سنة, إنهم إخواننا, وما تقومون به تحريض الأخ لقتل أخيه.

رغم ذلك هو لم يتخلص من تأثير الأمواج البعيدة للخروج.

ليس في مفهومه الخدمي ولا خلقته ولا فطرته, مكان لحركات التمرد والعصيان والنضال والخلاف الداخلي, وخاصةً الكفاح المادي, إلا إن قوات الحكومة التي قمعت التمرد في شرقي البلاد قامت بنفي جميع الشخصيات المؤثرة كالنورسي إلى الغرب.

و نفي النورسي في عام 1925 إلى مدينة بوردور, مكث هناك فترة من الزمن ثم نفي إلى مدينة إسبارطة.

وبعد عدة أسابيع أي في شهر الربيع في عام 1926 نفي من إسبارطة إلى بارلا, وهذا النفي لم يكن النفي الأول له.

“أنا فانٍ, فمن كان فانياً لا أريد, أنا عاجزٌ, فمن كان عاجزاً لا أريد, سلمت روحي للرحمن, سواه لا أريد, بل أريد حبيباً باقياً أريد, أنا ذرةٌ, شمساً سرمدية أريد, أنا لا شيء, ومن غير شيء, الموجودات كلها أريد”

اقتباس من حديث النورسي

وإن كان من حقيقةٍ لبديع الزمان, فينبغي أن تكون بلدة بارلا مكان وزمان هذه الحقيقة.

في هذه البلدة الصغيرة والمتواضعة في الأناضول, قطع بديع الزمان جميع علاقته مع العالم الخارجي, وانكب على عمله.

رسائل النور

أول ما تم تأليفه في بلدة بارلا هي الكلمة العاشرة من رسائل النور, لأنه طرق إلى سمعه هناك في أنقرة من يقوم بالإعتراض على المسائل الأساسية للإسلام, وخاصةً عبد الله جودت وأمثاله من الناس يتناقشون فيما بينهم, هل ننكر الله أم ننكر القرآن.

وأخيراً وصلوا إلى إنكارهم, نعم إنكار الحشر والقيام سهل جداً.

فمثلاً نستطيع القول: هل هناك من ذهب إلى الآخرة ورجع إلى هنا!

لا, إذا لا وجود للحشر.

وبناء عليه قام بتأليف رسالة الحشر, ورسالة الحشر هي الكلمة العاشرة.

وقد قضى عام 1928 بالبركة والسلام,  وفي هذه الفترة إزداد عدد طلابه بشكل مذهل, وتم هنا تأليف رسالة المكتوبات بكاملها, وقسمٌ من رسالة اللمعات.

إلا أن التطورات المذهلة في الخارج أثرت في بارلا, التي كان بديع الزمان سعيد النورسي التمسك بها, النظام الجمهوري بمفهومه العلماني القاسي.

كان مصمماً على تغيير المجتمع, وتغيير الأذان من الكلمات العربية إلى الكلمات التركية, وقبول المبادئ العلمانية, وحذف عبارة دين الدولة هو دين الإسلام عن الدستور الأساسي.

وقبول الحروف الأبجدية اللاتينية بدل الحروف العربية الإسلامية المستخدمة من قبل الأتراك منذ ألف سنة من الزمن, كان لكل هذا هزةٌ عظيمةٌ وزلزالٌ كبيرٌ على المسلمين.

يقول الأستاذ الدكتور ثروت أرمغان متخصص في الدستور جامعة إسطنبول: نحن أناس مثلاً لم نتمكن من أن نتعلم ديننا, إلا بعد سنوات الخمسينيات.

يدعى قسمٌ من تلامذة بديع الزمان سعيد النورسي, باسم الكاتبين, والكتابة بدأت كرد فعل هادئ للفترة التي تم الإنتقال فيها إلى الحروف اللاتينية.

وتم تكثيف واستنساخ الأحرف الإسلامية من قبل طلابه بعد تدقيق الأستاذ وتنقيحها, ومن ثم تم تداولها, كتبرير محق نظر الأتراك إلى الأحرف العربية على أنها أحرفٌ إسلامية.

والنصوص الإيمانية المدونة بالأحرف الإسلامية نظروا إليها بالوقت نفسه كمؤشر على الولاء الديني.

رسالة الحشر

رسالة في غاية الأهمية, وفي الحقيقة هي جاءت بالكثير من التحولات, كان إصدارها من المطبعة سنة 1928 وبعدها صدر قانون تغيير الحروف العربية.

وعندما منع طبعها تم استنساخها بخط اليد, يروى أن رسالة الحشر قد استنسخت بخط اليد 500000 ألف نسخة.

وجميع القرى المجاورة والمنازل تحولت إلى مطابع تكتب من قبل النساء والشيوخ والأطفال, والأميون يكرسون جل وقتهم لتعلم القراءة والكتابة من أجل كتابة واستنساخ الرسائل, ويستمر تأليف الرسائل في بلدة بارلا مدة سبعة سنوات بدأ من عام 1926 حتى عام 1933.

والمجموعة التي لازالت تجيد القراءة والكتابة بالأحرف الإسلامية في تركيا الجديدة بشكل طلق ورائع جداً, هم مجموعة إسمها زيجلار, أي الكاتبون.

يقول محمد كولج أحد تلاميذه القائمين على خدمته:

كنا نقوم بكتابتها واستنساخها ونطلب من من أعطيناه الرسالة أن يقوم بكتابتها, وهكذا أصبحت رسائل النور تقرأ وتنسخ بين الناس, وحاول الجميع الاستفادة منها, وكما بدأنا في تلك الفترة لا نزال نستمر على نفس النمط والمسار.

يقول تلميذ آخر:

وخلال بضعة أيام بضعة أيام كانت تصل عدد الرسائل المستنسخة إلى المئات بل الآلاف, وتوزع إلى القرى والمدن المجاورة وتمنح للحجاج لنشرها في الدول الإسلامية.

هذا المجتمع الصغير المنطوي على نفسه, لكن النشيط في عشقٍ في ذاته قد أحرز رويداً رويداً هوية جماعة الإخوان النوريين, شهدت بارلا في تلك الفترة أحداث ووقائع صغيرة أعتمت أيام الراحة والطمأنينة.

وأظهرت بعض الإدارات المحلية الصغيرة رغم عدم تمثيلها لحكومة أنقرة بشكل مباشر الوجه القاسي للنظام الجديد, وبدأت بممارسة الضغوط والعنف على بديع الزمان سعيد النورسي, لمنعه من ارتداء العمامة.

أجبرت الحكومة الجميع على ارتداء القبعة, وأرغم الناس على تغيير رأيهم, وكما أن بديع الزمان لم يرتد القبعة, كذلك لم ينزع العمامة عن رأسه قط, وبعد ذلك لم يذق الراحة في حياته أبداً.

فبدأ النفي والتشريد, وواصل حياته تحت أشنع أنواع الظلم, وعلى سبيل المثال بعد سنة واحدة من انقلاب الرأي وإجبار ارتداء القبعة.

جُلب بديع الزمان إلى المحاكمة وخاطبه الحاكم بصيغة الأمر: انزع هذه القبعة عن رأسك فأجابه بديع الزمان قائلاً: إن هذه العمامة لا تنزع إلا مع هذا الرأس.

هذا الرجل الذي لا يخشى الموت, قد الرعب والفزع في قلوب الذين يخشون الموت.

المصدر

قناة الجزيرة


جميع الحقوق محفوظة لموقع ماكتيوبس للنشر والتوثيق 2020 / MakTubes.com

ماكتيوبس

الجزء الأول

الجزء الثاني

الجزء الثالث

الجزء الرابع

الجزء الخامس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى