شخصيات

بديع الزمان النورسي الجزء الرابع




بديع الزمان النورسي الجزء الرابع

بديع النورسي : بعد أن أصبحت بارلا بلدةً لا تطاق بمضايقات بعض الإدارات المحلية نقل من قبل أحد أحبائه فوراً إلى إسبارطة.

وجد في إسبارطة السكينة والطمأنينة وراحة البال من جديد بعد أن فقدها في بلدة بارلا، وكان قد أتم تأليف جميع الرسائل في بارلا, وهنا عكف على تنقيحها وترتيبها وكتابة الفهارس لها.

جريدة طان في 8 مايو آيار عام  1939 كانت تقول: حادثة رجعية لقد تمت اعتقالات جديدة في بورصة وإسبرطة ووصل عدد المعتقلين إلى 30.

وقد كبرت وازدهرت جماعة النور بحيث أصبحت تراقب بقلق ورعب من قبل النظام الحاكم, ازدادت الضغوط على بديع الزمان سعيد النورسي.

وأصبح أنصاره وموالوه يرصدون بشكل واضح ويستجبون, تم تفتيش المنزل الذي كان يقيم في من قبل رجال الشرطة, وتمت مصادرة الرسائل المكتوبة باليد.

الرسالة كانت واضحة لقد اكتشف ولا يمكن أن يتخلوا عنه أو أن يتركوه مستريحاً, باعتقال بعض من طلابه المقربين, بدأ شن الغارات النفسية حيث احتلت المرتبة الأولى في جدول أعمال الدولة.

في موقف مناسب للسياسة الرسمية آنذاك, إحدى الجرائد شبه الرسمية للنظام الحاكم أعلنت الحدث على النحو التالي: ألقي القبض على شيخ رجعي مع 15 من مريديه.

وجهة النظر هذه لم تتغير حتى نهاية حياته, وستسمر حتى بعد وفاته رحمه الله.

بديع النورسي والمحاكمة

يقول أحد تلاميذه: لقد تعرضنا للضغوط ثم الاعتقال نتيجة قراءتنا للكتب, ثم انتقل الأمر للمحاكم, ما التهمة؟ قرأوا الكتب.

ليس هناك أي علاقة بين التهمة وقراءة الكتب, ينظر القاضي إلى الكتاب وفي كثير من الأحيان يجد القاضي الأمر مضحك, صدر أكثر من 700 قرار بالبراءة.

دمشق الجامع الأموي عام 1911 خطبة على المنبر:

وكما أن الشتاء يعقبه الربيع والليل يخلفه النهار فسيكون للبشرية ربيع ونهار إن شاء الله, ولكم أن تنتظروا من الرحمة الإلهية شروق شمس حقيقة الإسلام فتروا المدنية الحقيقة في ظل سلام عام شامل.

اقتباس من حديث بديع النورسي

في عام 1935 في دعوة فتحت في محكمة الجنايات اتهم بديع الزمان سعيد النورسي بإحدى عشر جريمة مختلفة, ولم تكن هذه نهاية المطاف ففي السنوات سيتعرض للاعتقال والنفي والتشريد والمتابعة والاستجواب, وسترفع عليه أربع دعاوى جنائية منفصلة.

الاتهام لم يكن مقنعاً, ادعوا  أنه يستغل الدين كأداة للسياسة.

وأنا أقسم بجميع المقدسات, إنه لو كان عندي ألف سياسةٍ لكنت فديتها للحقائق الإيمانية, فكيف أجعل الحقائق الإيمانية أداة للسياسة الدينية, ومع أنني فندت هذا الاتهام في مائة موضع, إلا أنهم لا يزالون يرددون نفس الكلام, بمعنى أنهم يرديون أن يجعلوني مسؤولاً مهما كلف الأمر, وأنا بدوري اتهم الظالمين الملحدين الذين يحاولون العمل ضدنا بأنهم يستغلون السياسة للإلحاد

اقتباس من حديث بديع النورسي

على الرغم من حظرها قانوناً, ادعوا عليه بأنه يستمر في تدريس الطريقة وطرائق الذكر.

“ولقد كتب مراتٍ عديدة في رسائلي, أن هذا الزمان ليس زمان الطريقة, بل زمان إنقاذ الإيمان, وكثيرون جداً يدخلون الجنة بغير طريقة, ولكن لا أحد يدخلها بغير إيمان, لذلك ينبغي العمل للإيمان”

زعم أنه عارض مصطفى كمال وانقلابته, وقام بإهانته.

الإيمان والآخرة

“وبما أن هدف رسائل النور هو الإيمان والآخرة, فإذا ما صدم أهل الدنيا في سياستهم العلمية والفكرية, وخدشهم بكلامه, فإنه يجب أن يصفح عنه ويعفى, لأنه ليس من غرضنا أن نصارعكم, نحن نسير إلى هدفنا”

على الرغم من تقديم الدفاع ببلاغة عالية ومنطق مقنع, حكمت المحكمة في سجنه مدة سنة في اسكي شهير, وإقامة جبرية في قسطموني لمدة سنة أخرى.

في عام 1935 رفع عليه دعوى جزائية في اسكي شهير, ووضع في الحبس المنفرد.

قضى أياماً صعبةً وحده في سجن اسكي شهير, كان وحيداً ومسناً ومريضاً, وقلقاً على طلابه ومستقبل رسالته, ليس على نفسه.

أكمل مدة العقوبة في السجن ولكن لم تنتهي المضايقات والضغوط, بل نفي عقبها إلى مدينة قسطموني كتدبير احتياطي,  أيام قسطموني ستكون فترة هدوء وسكينة له ليمارس أعماله الفكرية, ويستمر سبع سنوات ونصف السنة بعد مرور حياةٍ مليئة بالعاصفة.

يقول الأديب والشاعر العراقي أديب الدباغ:

تنصف رسائل النور من الكتب والرسائل التي يفتقر لها العصر الحاضر, فهذا العصر بحاجة ماسة لأن يتعرف على هذه الرسائل, وأن يعيش في أجوائها وأن يتعلم منها الكثير.

يقول توماس ميجهل الراهب الكاثوليكي الأمريكي:

قد قرأت في بداية الأمر بضع أجزاء صغيرة من الكتاب, ثم أتممتها بالكامل, ورغم كوني مسيحياً, إلا إن قرأتي لسعيد النورسي قد أضافت لي الشيء الكثير.

يقول إحسان قاسم صالحي مترجم رسائل النور للعربية:

لا شك أن كل شخص يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأنا واحد منهم, ولكن بعد ما قرأت رسائل النور أصبحت أعيش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقول الأستاذ الدكتور تزويتان  ثيو بنو نائب عميد كلية اللغات جامعة صوفيا بلغاريا:

ألهمنا الأستاذ النورسي بحيوية القرآن الكريم, وفكر أنه يجب أن يستعمل لحل جميع مشاكل كل عصر.

يقول الأستاذ الدكتور جورجة جريجوره مختص في الدراسات الشرقية جامعة بكرش رومانيا:

في البداية عندما وجدت اسمه في الكتب حول الإسلام فألفت نظري وفيما بعد أنا حصلت على كتبه وبحثت عن مجموعة من رسائل النور, وقرأتها وأصبحت واحد من العاشقين لأفكاره.

تقول شكران واحدة باحثة في حياة بديع الزمان النورسي بريطانيا:

إنه رجل ينبغي أن يكون موضع بحث وينبغي أن تفهم رسائله الأساسية جيداً, لأن هذه الرسالة لا تنتمي إلى هذا العالم فحسب, بل رسالة موجهة للناس بالفوز لمثل هذه الاختبارات والمحن, وندعوا الله أن يفوز الجميع فيها.

“نحن ننتظر منكم لقاء خدماتنا, أنكم إذا جئتم لتعبروا إلى قارة الماضي, أن مروا بقبورنا, واغرسوا بعض هدايا ذلك الربيع على قمة القلعة, التي هي حجرة قبري, ومضيفة عظامي, وبوابة مدرسة الغرور, سننبه الحارس عند قدومكم, ادعونا ستسمعون منا نداء, هنيئاً لكم هنيئاً لكم”

مدرسة الزهراء

يقول كريم بالجي باحث وكاتب:

حياة قسطموني هي فترة انتشار مشروع مدرسة الزهراء التي لم يتخل عنها قط, بأسلوب وطراز جديد على سطح الوطن, ففي تلك الفترة أدرك عدم إمكانية تأسيس جامعة إسلامية عظيمة, فأفاد حينذاك قائلاً:

ليكن لنا منزلاً في كل مدينة من المدن, و ليجتمع الناس في هذه المنازل ليقرؤا رسائل النور, وهذا بدوره يأتي ببنية تنظيمية, وستكون العناوين معروفة في كل مدينة, وأناس معرفون يعيشون في هذه العناوين, وهو الآن نراه رائداً لجماعة كبيرة, بينما كان في الماضي اتباع يقرؤون مؤلفاته.

كان قد تقدم في السن, وفي فترة السكينة والهدوء النسبي, وجد بديع الزمان سعيد النورسي الفرصة للتعامل مع تلاميذه على نحو أقرب, الوسيلة الرئيسية للتواصل آنذاك كانت المراسلات.

ومن خلال تلك الرسائل كان يركز على هوية المجتمع ونهج سلوكه وتعليمه وموقفه من الأحداث, والآن أصبح لديه المتسع من الوقت لتأسيس أعمال الجماعة.

أحد أهم التطورات التي حدثت في عام 1940 السماح واستنساخ وطبع رسائل النور بالأحرف اللاتينية, هو لم يتخلى عن الأحرف الإسلامية لكنه أراد تلبية حاجات الأجيال الشابة, التي لا تجيد قراءة الحروف الإسلامية.

تركيا التي لم تشارك في الحرب العالمية الثانية, دعت عام 1943 للإنتخابات, لم تكن الحرب ولا الإنتخابات كافية لتخفيف الضغوط على المتدينين, لقد تم القبض على بعض الجماعات الدينية ومنتسبي الطرائق الإسلامية, ولم تشكل حركة النور استثناءاً لشبهات كهذه.

القبض على التلامذة

ألقي القبض في بادئ الأمر على بعض من تلاميذه, ثم دوهم منزله مرتين واعتقل بديع الزمان سعيد النورسي في العشرين من سبتمبر أيلول مرة أخرى, وتم سوقه إلى سجن دَنزلي.

ولكن شروط الإنفاذ هذه المرة كانت أصعب بكثير, ولم يسمح لأحد أن يتكلم معه, ولكنه كان يحاول تشجيعهم, ويقويهم ويلقي لهم بضع أوراق مكتوبة من خلال نافذة تطل على الفناء.

حتى إذا شعرت بها مديرية السجن منعته عنها, على الرغم من أنه في فترة المحاكمة, حبس بديع الزمان سعيد النورسي في غرفة منفردة, و عومل معاملة غير إنسانية.

وأغلقت عليه تلك النوافذ بالأخشاب, ومع ذلك فإن المذكرات التي كتبها في تلك الظروف القاسية, كانت تتداول من يد إلى أخرى و تستنسخ.

كان طلابه جل أوقاتهم يقومون بتعليم الصلاة والرسائل للمسجونين المحكومين بالإعدام, على ضوء الأمل الذي تلقوه من أستاذهم.

أدعي كذلك في المحكمة بأنه قام باستخدام الدين كأداة للسياسة, ورفض القوانين, ورفض ارتداء القبعة, واستخدام الحروف العربية وانتهاك الانقلابات.

“إما أن تطلقوا الحرية الكاملة لرسائل النور, أو تحاولوا إن استطعتم أن تغلبوا الحقائق الواردة فيها وتقضوا عليها, أيها البأسون الذين سقطوا في درك الكفر المطلق.

يامن بعتم دينكم بدنياكم, اعملوا كل ما تستطيعون عمله, ولتكن دنياكم وبالاً عليكم, وستكون, أما نحن فقد وضعنا رؤوسنا فداءً للحقيقة القدسية التي يفتديها مئات الملايين من الأبطال برؤوسهم.

فنحن متهيئون وجاهزون لاستقبال كل أنواع عقوباتكم, بل حتى حكمكم بالإعدام, وضعنا وحالنا خارج هذا السجن والظروف أسوأ مائة مرة من حالنا داخله, ولا يبقى بعد هذا الاستبداد المطلق الموجه إلينا أي نوع من أنواع الحرية.

لا الحرية العلمية ولا الحرية الوجدانية ولا الحرية الدينية, أي لا يبقى أمام أهل الشهامة وأهل الديانة وأمام مناصري الحرية ومحبيها من سبيل إلا الموت أو الدخول إلى السجن, أما نحن فلا يسعنا إلا أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون ونعتصم بربنا ونلوذ به

الصبر التوقف والانتظار

يقول الأستاذ الدكتور نوزاد ترهان طبيب نفساني:

أبدى هنا صبراً جميلاً, وأظهر صبراً في حالة تنقل وحركة, وليس الصبر التوقف والانتظار, بل هو الامتثال لسرعة وإيقاع الطبيعة, إنه هنا امتثل لسرعة وإيقاع الطبيعة والظروف الاجتماعية.

أعلنت المحكمة قرار التبرئة إثر تقرير الخبير حول رسائل النور, في الخامس عشر من حزيران يونيو عام 1945 وقد برئ من جميع الاتهامات المنسوبة إليه, ولكن هذا لم يعني أنه أصبح رجلاً حراً.

أواسط صيف سنة 1944 سيق مرة أخرى إلى المنفى, إلى قضاء أمير داغ التابع إلى مدينة آفيون, لم يكن هذا قراراً بل كان توقيفاً تعسفياً.

بعد مضي بضعة أشهر من وصول بديع الزمان سعيد النورسي إلى مدينة أمير داغ, اكتمل تأليف القسم الأعظم من رسائل النور, وقضى معظم أوقاته في تصحيح رسائل النور.

انتشرت هذه الرسائل التي تم استنساخها باليد أو عن طريق آلة الاستنساخ بسرعة فائقة بين طلاب رسائل النور, لوحظ العلو بالنفس عند سعيد النورسي مع جميع تلاميذه, ودخلت الحركة بفترة من التفاؤل بحيث أصبحت تناقش فكرة التوسع إلى خارج القطر.

لم يتغيير الوجه الرسمي للدولة, التي كانت تنظر إليه دائماً بشبهةٍ وحذر, حيث استمرت الضغوط والمضايقات والقمع والاستجواب على طلابه.

دعي إلى محكمة آفيون بحجة انتهاكه لقوانين الثورة بعمامته وردائه, جميع الوثائق التي قدمها عدم انحرافه عن الاستقامة الشرعية لم تجد لها صدى, واعتقل في نوفمبر كانون الثاني عام 1947 مع طلابه وألقي به في السجن.

كانت ظروف سجن آفيون أسوأ من سابقاتها, والمدعي العام أكثر قسوة وأكثر تهور, يبدوا أنهم تلقوا أمراً هذه المرة بإسكاته وإسكات اتباعه تماماً.

بديع النورسي والسجن

أبقي بديع الزمان سعيد النورسي في السجن مدة ثلاثة أشهر ونصف في الطابق العلوي من سجن آفيون, وهو جناحٌ كبير يتسع لسبعين شخصاً, كان قد تحول إلى أنقاض, وأكثر نوافذه مكسورة وبلا مدفأة, وفي الحبس الإنفرادي والتجريد المطلق.

الرجل المريض البالغ سبعين سنة من العمر لا يزال يمارس هنا في هذه الأوقات العصيبة الكتابة على القصاصات الورقية التي يرسلها لأصحابه, وحرك الأمل في نفوس تلاميذه.

ما يروى في سجن آفيون من حدثٍ جرى مع طالبه زبير مثيرٌ للاهتمام في إظهار التزامه الوثيق لأستاذه بديع الزمان سعيد النورسي.

يقول سعيد أزدمير أحد تلاميذه الذين كانوا قائمين على خدمته:

الأخ زبير أيضاً وقع له حادث, إنه كان موظفاً في الأعمال التلغرافية, استقال من منصبه وجاء إلى المدعي العام في آفيون, وأفاد قائلاً: هذا الرجل شيخ كبير اسمحوا لي أن أخدمه, أدخلوني السجن معه, سألوه: هل اقترفت ذنباً؟ قال: لا؟

قالوا: اذهب لا يأتي هنا سوى من يقترف الذنوب.

ثم يذهب إلى مدينة قونيا ويكتب عريضة إلى المدعي العام يفيد فيها: أنه هناك في العنوان الفلاني في الحي الفلاني وفي الزقاق كذا والمنزل كذا طالب للنورسي عجيب فأخبركم به, أي أنه أخبر عن نفسه لتأتي الشرطة وتأخذه.

سألوه هل أنت تمارس الحركة النورية؟ قال: نعم

فتم اعتقاله وإرساله إلى آفيون إلى جانب الأستاذ النورسي.

الاتهامات نفسها في المحكمة, تأسيس جمعية سرية, الانتساب إلى الطريقة, القومية الكردية, الإخلال بالأمن, وكذلك نفس الدفاع, وتوضيح دعواه ورسائل النور.

وفي إحدى الذكريات التي عاشها في أحد المعتقلات في مدينة آفيون, تتطرق إلى تلميحةٍ مثيرةٍ للاهتمام.

المصدر

قناة الجزيرة


جميع الحقوق محفوظة لموقع ماكتيوبس للنشر والتوثيق 2020 / MakTubes.com

ماكتيوبس

الجزء الأول

الجزء الثاني

الجزء الثالث

الجزء الرابع

الجزء الخامس

ما هو رد فعلك؟
+1
0
+1
1
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى