الآداب

تأملات في الثقة بالنفس




علي محمد علي يحدثنا عن الثقة بالنفس

 

الثقة بالنفس هو واحد من المواضيع التي يتكرر الطلب أن نتحدث عنه، الكثير من الكتب والفيديوهات يكون تركيزها، على أن تعطي انطباع أن يكون لديك الثقة بالنفس، أمام الآخرين أكثر من كونك تشعر بالثقة فعلاً.

ويفترض البعض أن الثقة بالنفس، هي عدم الخوف من اتخاذ أي قرار، أو عدم الاهتمام بنقد أو رأي الآخرين.

لا يوجد مفهوم محدد ومشترك بين الناس عن الثقة بالنفس، بل إن البعض كان معترض على مصطلح الثقة بالنفس من الأساس.

هدف الحديث عن الثقة بالنفس

هدف حديثنا اليوم أن نفهم الموضوع بشكل أكبر، لكي نأخذ خطوات عملية واضحة، ولا ندعي أن نعطي الحل السحري الذي يعطي الثقة المفقودة، كما تدعي الكثير من الفيديوهات على اليوتيوب.

الثقة بالنفس والتحدث أمام الجمهور

دعنا نتأمل التصورات المنتشرة عند الناس عن الثقة بالنفس، البعض يختزل الثقة بالنفس بجزئية التحدث أمام الجمهور، والتعامل مع الناس بدون خجل.

وهذا تصور قاصر جداً في رأيي، هناك أشخاص اجتماعيين جداً، يستطيعون أن يتحدثوا بسهولة أمام الجموع، دائماً يتعمدوا لفت النظر وشدة الانتباه، في كل تجمع يكون فيه.

ومع ذلك في حياتهم الخاصة هم أشخاص مترددين، ليس لديهم الثقة بالنفس بقدرتهم على انجاز أي هدف.

وعلى الناحية الثانية هناك أشخاص ناجحين في مجال عملهم، ولديهم  الثقة بقدراتهم ومهاراتهم، ولكن مع ذلك لو وضعت واحد منهم أمام جمهور، لكي يتحدث في مجاله، سيشعر بالارتباك والخوف.

وهذا طبيعي جداً، التحدث أمام الجمهور يكون مخيفاً لمعظم الناس، لكن هذا ليس معناه أن الذي يخشى الحديث أمام الجمهور، هو شخص ضعيف الشخصية أو فاقد الثقة بالنفس.

الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، وبالفطرة يهتم بآراء الآخرين عنه، فعندما تكون في موقف فيه عشرات أو ربما مئات الأشخاص، الذين يترقبون كل كلمة تقولها.

من الطبيعي أن تشعر بالقلق والخوف، لأن أي غلطة تأثيرها السلبي سيكون مضاعف، هذا بالإضافة أننا لسنا معتادين أن نخاطب عدد كبير من الناس مرة واحدة.

مهارة التحدث أمام الجمهور

التحدث أمام الجمهور مهارة، يمكن اكتسابها بالتدريب، والبعض يكتسب المهارة هذه ويتفوق فيها، بالرغم من أنه لا يوجد لديه ما يستحق أن يسمعه الجمهور.

فلو كان التحدث أمام الجمهور مهم بالنسبة لك، ابحث عن مصادر لتعلم هذه المهارة، اليوتيوب مليء بهذا المحتوى.

ولكن أسرع وسيلة لتعلم التحدث أمام الجمهور، هو الاشتراك في كورس عملي، تستطيع أن تمارس فيه التحدث أمام الجمهور، مع باقي المشتركين في الكورس.

لأن حقيقة هذه المهارة، لا بد أن يكون فيها الممارسة العملية، وخوض التجربة، ومشاعر الخوف والقلق بشكل فعلي، لكي تستطيع أن تتغلب عليها.

وإن كنت ليس تفهم سر اهتمام عدد كبير من الناس بمهارة التحدث أمام الجمهور، أو مواضيع مثل الكاريزما، أو القيادة.

فيوجد فيديوهات على اليوتيوب، تحقق عدد مشاهدات كبير، والنسبة الأكبر من مشاهديها هم صغار السن.

لا تبحث عن مهارة التحدث أمام الجمهور باكراً

لست أفهم لما يشغل بال الطالب الذي قد تخرج تواً، بالقيادة والتحدث أمام الجمهور، قبل أن يحسن مجال عمله الأول.

ومن الواضح أنه توجد نسبة لا بأس بها، تريد أن تكون قادة، قبل أن يكونوا جنوداً، يريدون أن يظهروا بمظهر العالم الخبير، قبل أن يكتسبوا العلم والخبرة.

وهذه طريقة تفكير شخص يهتم بالمظهر، أكثر من الجوهر، وحتى لو نجح في تحقيق المظهر المطلوب أمام الناس، سيعيش في قلق دائم من أن جوهره وضعف علمه، سيكشف أمام الناس يوماً من الأيام.

الثقة بالنفس ومشاعر التردد والخوف

أما بعيداً عن التحدث أمام الجمهور، فالبعض يمكن أن يواجه التردد والخوف، في التعاملات اليومية مع الناس حوله.

وهذا التردد لن يذهب إلا بمواجهته، يجب أن تحاول أن تجرب بعمل أشياء أنت تخاف منها، تحدث حتى لو الخوف سيظهر في صوتك.

واجه حتى لو التردد سيظهر على تعابير وجهك، من الممكن أن تبدأ بأمور بسيطة، لكن لا مفر من المواجهة، لكي تستطيع أن تتغلب على هذه المخاوف.

التخلص من ضعف الثقة بالنفس بسبب الشكل

أما بالنسبة لبعض الناس الذي يشعرون بضعف في الثقة بالنفس، بسبب الشكل، هناك نقاط أساسية يجب تعرفها:

كن نظيف ومهندم دائماً

فلو كان لديك مشكلة في هذا، الحل سهل ليس من المطلوب أن تكون ملفتاً، فقط نظيف ومهندم، وهذا الأمر البسيط سيساعدك في تحسين شكلك.

قم بتغيير ما يمكن تغييره

غير ما يمكن تغييره، أي لو لديك مشكلة مع الوزن الزائد مثلاً، بسبب عادات غذائية خاطئة، هذا شيء ممكن أن تغيره.

احتمال أن يكون صعباً، لكن لو كنت لا تستطيع لوحدك، ممكن أن تذهب إلى طبيب متخصص، وعلى فكرة، أكبر سبب يجعل الناس تفشل في انقاص وزنها، هو الاستعجال.

فالذي اكتسب وزنه الزائد هذا في خمس سنوات، يريد أن يخففه في خمسة أشهر، ويمكن أقل من ذلك، ويضع نفسه في نظام قاس جداً، يصعب الالتزام به فيفشل.

التغيير من الممكن أن يأخذ وقتاً، طويلاً لكنه سيساعدك كثيراً.

تقبل ما لا يمكن تغييره

لو هناك شيء لا يعجبك، في شكلك أو جسدك، ولا يمكن تغييرها بما هو متاح، تقبل ذلك وارضى، واعلم أنه ابتلاء ولك أجر وجزاء في الرضى به.

ولو لم ترضى بما لا يمكن تغييره، فأنت تكتب على نفسك الشقاء، والشقاء هو النتيجة الطبيعية لعدم الرضى بما لا يمكن تغييره.

الثقة بالنفس والإصرار على الرأي الخاص

تصور آخر منتشر عن الثقة بالنفس، هو أنها القدرة على الإصرار، على آرائك واختياراتك، وعلى عدم الالتفات إلى آراء أو نقد الآخرين.

مشكلة هذا التصور، أنه يفترض أنك شخص مثالي لا تخطئ، وأن النقد وآراء الآخرين، كلها إما عديمة القيمة، أو هدفها الوحيد هو احباطك.

وهذا التصور يمكن أن يوقع بصاحبه، أن يكون مكابراً، الحكمة والتصرف الصحيح هنا، أنك تستفيد من نقد الآخرين، حتى لو كان الذي ينتقدك هدفه احباطك فعلاً.

ليس من المطلوب منك أن ترد على كل النقد الذي يوجه لك، ولكن المطلوب أن تحلل الذي تسمعه، وتعرف ما الذي ممكن أن يفيدك منه.

وما الذي يفضل أن تتجاهله تماماً، عندما ينتقدك أحد حلل النقد، وكن صادقاً مع نفسك، هل يوجد شيء أي شيء صحيح في هذا النقد؟ بغض النظر عن نية الشخص الذي ينتقدك.

لأنه حتى من يهدف إلى إحباطك، ممكن أن يكون في نقده ما يستحق الالتفات إليه، لا يجب أن ترد على كل شخص ينتقدك، أو يشكك في عمل تنوي فعله.

ولكن يجب أن يكون لديك رد منطقي على نقده بينك وبين نفسك، لكي لا تكون مجرد شخص عاطفي متحيز لنفسه وأفكاره.

المهم هنا توضيح نقطة، أن استماع آراء الآخرين، ليس بالضرورة دليل على ضعف الشخصية،  والإصرار على الرأي.

ليس بالضرورة دليل على الثقة بالنفس، قد يكون دليل على المكابرة بل والحماقة أحياناً، المطلوب تحقيق توازن بين الاستماع لما يستحق وتجاهل ما لا يستحق.

الثقة بالنفس والنجاح

تصور آخر عن الثقة بالنفس، يقول أنها ثقة في قدرتك على النجاح، وتحقيق أهدافك، أيضاً هذا التصور فيه مشكلة.

وهي أنه ببساطة، لا أحد يستطيع أن يضمن النتائج أو النجاح، هناك شركات من أكبر الشركات في العالم، لديهم أمهر الموظفين، ويصرفون على مشاريعهم المليارات.

أي لديهم قدرات جبارة، ومع ذلك يفشلون في تحقيق أهدافهم، والوصول إلى النتائج المستهدفة، في الكثير من الأحيان، النتائج هذه ترجع إلى الله سبحانه.

أنت لا عليك إلا السعي، لو ربطت الثقة بالنفس بتحقيق النجاح أو النتائج المستهدفة، ستظلم نفسك وقد تفقد الثقة بالنفس، دون داع، خصوصاً أن النتائج أو النجاح، قد لا يتحقق لأسباب ليس لها دخل في سعيك أو عملك.

ويمكن هذه النقطة، هي التي جعلت بعض المتابعين يقولون أنهم يفضلون مصطلح الثقة بالله، عن الثقة بالنفس،

لكن أنا لا أظن أن الذي يستخدم مصطلح الثقة بالنفس، ينفي ضرورة التوكل على الله بأي شكل، باستخدام هذا المصطلح.

الأكيد هو أنك مطالب بالسعي، وليس بالنتائج، والأكيد أيضاً أن النتائج التي ستحصل عليها مرتبطة في سعيك (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)

أنت مكلف بالسعي، ومطالب أن تأخذ بالأسباب، لذلك ثق في قدرتك على السعي والمحاولة، لأن الله سبحانه لم يكلف إنساناً، إلا وأعطاه القدرة والإرادة، حتى وإن اختلفت القدرات والظروف بين الناس.

الثقة بالنفس وتطوير الذات

من أكثر النقاط التي اتفقت معها في تعليقات المتابعين، أن البعض يعتبر الثقة في النفس، هي نتيجة تحصل عليها بعد تطوير وتحسين نفسك.

بمعنى أن الثقة بالنفس ليست صفة يمكن اكتسابها، بدون امتلاك المقومات المناسبة، من الملاحظ أننا نكون أكثر ثقة وأقل خوفاً وتردداً، في الأعمال التي نحسنها.

ونكون خائفين ومترددين، عند قيامنا بشيء جديد لا نحسنه، وهذا طبيعي جداً ومنطقي، والثقة بالنفس ستزيد، ومشاعر الخوف والتردد ستقل، لكي نحسن مستوانا في هذا الشيء الجديد للأفضل.

أظن هذا شيء واضح ومفهوم، لكن مع ذلك البعض يظن أنه ممكن أن يكتسب الثقة بالنفس، تجعله لا يشعر بالخوف، عند قيامه بعمل جديد، أو عند أخذه خطوة جديدة مختلفة في حياته.

الثقة بالنفس والشجاعة

الذي لا يخاف من شيء يجهله، ليس بشجاع، هذا في الغالب متهور، والشجاعة ليست أنك لا تخف، ولكن الشجاعة هي أن تقوم بالفعل الصحيح، رغم إحساسك بالخوف، ومع التكرار والمحاولة، سيقل الخوف وتزداد الثقة بالنفس بالتدريج.

ملخص عن اكتساب القدرة عن الثقة بالنفس

حسناً بعد كل الذي قلناه، سألخص رؤيتي عن الموضوع، في نقاط بسيطة ومن الممكن أن تختلف مع هذا الرأي، فليس الهدف هو فرض رؤية محددة على موضوع الثقة بالنفس، على أنها الرؤية الوحيدة الصحيحة.

ثق في قدرتك على السعي والمحاول بغض النظر عن النتائج، فأي كانت قدراتك وظروفك ستكون قادر على السعي والمحاولة.

كلما تطورت من نفسك وقدراتك كلما زادت الثقة بالنفس لديك، لأن قدرتك على السعي ستكون أكبر.

الثقة بالنفس لا تعني الإصرار على رأيك وتجاهل رأي ونقد الآخرين، تعامل مع النقد بحكمة وخذ منه ما ينفعك وتجاهل ما غير ذلك.

التحدث أمام الجمهور مهارة يمكن اكتسابها بالتدريب، عدم امتلاكها ليس دليل على ضعف الشخصية أو فقدان الثقة بالنفس.

عند تعاملك مع الآخرين، لا مفر من مواجهة خوفك حتى تستطيع التغلب عليه، ابدأ بأمور بسيطة ومع الوقت سيقل الخوف وتزداد الثقة بالنفس.

ضعف الثقة بالنفس بسبب الشكل:

كن نظيف ومهندم

قم بتغيير ما يمكن تغييره

تقبل ما لا يمكن تغييره

من الطبيعي أن تشعر ببعض الخوف والتردد عند عمل شيء جديد، لم تعتد عليه، الشجاعة لا تعني عدم الخوف، الشجاعة هي القيام بالفعل الصحيح رغم الشعور بالخوف.

الهدف الأساسي من الحدث أن نجعلك تتأمل مفهوم الثقة بالنفس وتفكر فيه بعمق، بدلاً من تقبل ما يطرح عليك في الموضوع بدون تفكير، ولعل هذا يجعلك تصل إلى الطريق الصحيح للوصول إلى الثقة بالنفس التي تبحث عنها.

ما هو رد فعلك؟
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى