الآداب

جلال الدين الرومي والفكر العابد الروحاني


تحليل جلال الدين الرومي من خلال كتاب المثنوي والديوان

جلال الدين الرومي والفكر العابد الروحاني

في عام 2003 كان الإعلام الأمريكي، يقرع طبول الحرب، حولين كاملين، بعد غزو أفغانستان وأثناء غزو العراق.

ولكن الأمريكيين، كانوا عندما يعودون إلى بيوتهم، كانوا يبحثون عن الإنسانية المطمورة داخلهم، ويلجأون إلى القراءة، عن جلال الدين الرومي.

حديثنا اليوم عن الشاعر الخالد، والضيف هو الأستاذ الدكتور محمد سعيد جمال الدين، أستاذ الأدب الفارسي، والزائر بكلية الدراسات الإسلامية، بجامعة حمد بن خليفة.

وأستاذ الأدب الفارسي في عين شمس في مصر، ونرحب به، ونفسح له المجال ليحدثنا عن جلال الدين الرومي.

أصل جلال الدين الرومي وألقابه

حديثنا اليوم سيكون، عن الشاعر الكبير جلال الدين الرومي، وهو لقبه نسبة إلى بلاد الروم، التي تسمى الآن آسيا الصغرى.

وأحياناً يسمى البلخي، نسبة إلى مسقط رأسه في بلخ، وهي المدينة التي توجد حالياً، في الشمال الشرقي في أفغانستان، في منطقة تسمى مزار شريف.

وأحياناً يسمى مولوي، نسبة إلى قول الناس له مولانا، وتعرف طريقته الصوفية، بأنه المولوي، ولد في بلخ، في عام 604 للهجرة أي 1207 للميلاد.

وكان أبوه بهاء الدين محمد ولد، من كبار علماء عصره، وكان من كبار عرفاء عصره، لأن العصر بعد هذا العصر في 604 تقريباً.

كان قد مضى على وفاة أبي حامد الغزالي، نحو قرن من الزمان، لأنه توفي في 505، وفي هذه الفترة كان الأمور قد تحولت من الناحية الفكرية.

والعقل ليس هو أساس المعرفة، ولا بد أن يضاف إليه المعنى والروح، فلا بد أن تكون العلوم ملتبسة بعضها ببعض، والمعنى ملتبس مع العقل.

وأن يكون هنا عقل ونقل ونفس روحاني، وتجربة إلى جانب الفكر وإلى جانب العقل، فكان بهاء الدين ولد، يمثل هذا الإتجاه أصدق تمثيل.

وكان فقيهاً، وفي نفس الوقت عارفاً، أي مفتي للدولة الخوارزمية، وعلى سلطة بسلطان الدولة الخوارزمية

بهاء الدين ولد والفكر العقلاني

ولكن بهاء الدين ولد، آثر أن يترك الدولة الخوارزمية، لأسباب لا نريد أن نخوض فيها، وقد ترك البلاد وارتحل، إلى مكان أكثر أمناً، لأنه شعر بأن السلطان قد جافاه.

والمهم أنه ترك بلخ وارتحل مع أهله، وولده ومن بينهم جلال الدين، وعمره في ذلك الوقت ثلاثة عشر سنة.

واتجه نحو الغرب إلى بغداد، فأقام فيها فترة من الزمن، ومن بعدها ذهب إلى الحج، ثم عاد إلى بغداد ودمشق، وهناك تلقى دعوة من السلطان علاء الدين كيباد، سلطان بلاد الروم.

وكانت بلاد الروم حينها، واقعة تحت سيطرة سلاجقة الروم، وهي دولة متشعبة عن دولة السلاجقة الكبرى، واستقرت في هذه المنطقة.

وكان للسلطان علاء الدين، باع طويل في تشجيع أهل العلم، وأهل الذكر، فاستدعى بهاء الدين ولد وأسرته، وأقاموا في قونيا.

واستقر بهاء الدين هناك، وسلمت إليه زمة الإشراف على التدريس الشرعي والفتوى، واستمر على هذا النحو حتى توفي ،بينما كان جلال الدين بعمر الرابعة والعشرين.

المفتي جلال الدين الرومي

عندما توفي والده، أسندت مهمة التدريس إلى جلال الدين، وبدأ جلال الدين يدرس العلوم الشرعية، ولكنه أحس أنه يحتاج إلى مزيد من المعرفة، في هذا المجال.

سافر جلال الدين إلى الشام، وأقام في الشام بضع سنين، في حلب أربع سنوات، وفي دمشق أيضاً، وجال في المنطقة مدة بلغت سبع سنوات.

تعلم فيها على يد مجموعة من الفقهاء، والمفسرين والمحدثين، وحصل على مجموعة من الإجازات، من كبار الشيوخ والعلماء في المنطقة، ثم عاد إلى قونيا.

واصل مهمته في عملية التدريس في قونيا، إلى أن أسندت إليه مسألة الإفتاء، حتى أن بعض كتب طبقات الحنفية، يرد فيها اسم جلال الدين الرومي.

باعتباره مفتياً حنفياً، ثم بعد ذلك، بدا أن جلال الدين استقر له الأمر، وكان عدد طلبته يزداد، ويرتحل إليه عدد كبير من الطلاب، من أماكن مختلفة.

حتى بلغ عدد طلبته، نحو أربعمائة طالب وأكثر، ولكن حدث تحول كبير في ذلك الوقت، بالنسبة لجلال الدين، عندما التقى برجل غامض، يسمى شمس الدين التبريزي.

جلال الدين الرومي وشمس الدين التبريزي

شمس الدين التبريزي، هو الذي حوله عن طريق، ما يسميه أهل التصوف، العلوم الظاهرية،

وشمس الدين التبريزي، هو شخصية غامضة، لا أحد من أهل قونيا، يعرف عنه شيئاً يذكر.

وهو قد دخل إلى قونيا، وبعض من درسوا جلال الدين، وآثاره وأعماله، علموا أنه قد تأثر بهذا الرجل، وحتى المستشرقين منهم مثل نيكلسون.

وللعلم نيكلسون، ترجم لجلال الدين، كتابه المثنوي، في ستة أجزاء كبار، بخمس وعشرون ألف بيت من الشعر.

وترجم له قصائد مختارة، من ديونه الكبير المسمى، ديوان شمس تبريز، وهو باسم أستاذه شمس الدين التبريزي.

وعندما كان نيكلسون يعرف في مقدمة كتابه لقصائد شمس تبريز، بأنه شخصية غامضة، وأنه أشبه ما يكون بالأمي.

تحليل كتب شمس الدين التبريزي

ولكن إذا نظرنا نجد أن شمس الدين، لم يكن أمياً، لأنه قد عثر له على كتاب من عدة أجزاء، يضم أقواله، ويبدو أن بعض مريديه، سجلوا هذه الأقوال، في كتاب بثلاثة أجزاء.

طبع منها في جامعة طهران جزئين، وبقي الجزء الثالث لم يطبع حتى الآن، وما طبع يدل على أن شمس الدين، لم يكن أمي، ولكن كان عارف بالفلسفة، وعلم الكلام.

وكان له انتقادات كثيرة، بالنسبة للفلاسفة والمشايخ في عصره، فقد انتقد الشيخ محيي الدين بن عربي، وصدر الدين القونيوي، وغيرهما.

وفي كتابه، أو ما وصلنا منه، نجد أنه كان شخصية قوية مؤثرة، وكان جوالاً لا يبقى في بلد واحد، ينتقل من بلد إلى آخر، ولا يحب أن يستقر في مكان واحد.

حتى أنه كان لا يحب أن يجلس إلى شيخ مدة طويلة، وهي غير مفهوم الصوفية، لأنه لا بد لكل مريد، أن يكون له شيخ ويلزمه، حتى ينتهي من المقامات التي ينتقل فيها من مقام إلى مقام.

ولكن شمس الدين، لم يستقر مع الشيوخ، الذين قابلهم، وفي كتابه انتقد مجموعة كبيرة من الشيوخ، مما يدل على أنه لم يرق له، أن يتبع أحد منهم ولا طريقة معينة.

وكأنه كان يبحث عن شيخ آخر، يرتاح إليه ويقتنع به، وظل يبحث عن هذا الشيخ، إلى أن التقى بجلال الدين في قونيا.

تأثر الرومي بالتبريزي

قصة لقائهما طويلة، وأثارت كثير من خيالات الرواة ومبالغاتهم، وقيل فيها كلام كثير، ولكن المهم، أن اللقاء قد حدث، وجلال الدين كان عمره ثمانية وثلاثين سنة.

وفي هذه الفترة، كان جلال الدين كما ذكرنا، هو الفقيه المفتي والواعظ، وله طلاب، فإذا به يتحول التحول الكبير، عن هذا الطريق، ويترك ما كان عليه بعد لقائه شمس الدين.

كان شمس الدين، يتزين بزي خاص، يلبس قلنسوة طويلة من اللباد الخشن البني اللون، وعباءة فضفاضة سوداء خشنة، ويتحرك كثيراً.

وعندما قابل جلال الدين الرومي، أنس إليه، وبقيا سوياً، وحدث حوار في أول الأمر بينهما، يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومكانته في قلب المؤمن.

والأثر الذي تركه شمس الدين، في قلب جلال الدين، كان كبيراً، فترك التدريس، ومجالس الوعظ وتخلى عن الفتاوى.

ثم أنه كان متعوداً، على أن يقرأ طوال الليل من كتاب أبيه بهاء الدين ولد، ويقرأ مع هذا الكتاب ديوان أبي الطيب المتنبي.

ولكنه بإشارات من شمس الدين، ترك قراءة هذه الكتب، والذي اعتاد فعله، ثم إن جلال الدين بعد ذلك، ترك تلاميذه ولم يعد يلتقي بهم.

وتحولت حالة جلال الدين، مما أغضب تلاميذه على شمس الدين، لأنه تغير من ناحية أنه لم يكن يقرض الشعر من قبل، وإذا به بدأ يكتب الشعر.

ديوان شمس تبريز

يعبر جلال الدين الرومي عن نفسه بالشعر، يقول في أبيات من كتابه المثنوي:

عندما اشتعلت نيران الحب في صدري

أحرق لهيبها كل ما كان في قلبي

فازدهرت العقل الدقيق والمدرسة والكتاب

واكتسبت صنعة الشعر وتعلمت النظم

هنا بدأ ينبوع الشعر يتدفق في نفسه، وكتب ديوانه الكبير، بخمس مائة صفحة، وفيه نحو اثنان وأربعون ألف بيت من الشعر، قصائد تبلغ عدتها، نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة قصيدة.

وهذا الديون سماه باسم أستاذه شمس تبريز، وفيه ما يسمى في الأدب الفرنسي بالغزليات، والغزليات الفارسية، تختلف عن الغزليات العربية.

وبعد أن تيقن جلال الدين، من وفاة شمس الدين بقصة طويلة معروفة، كتب كتابه المثنوي، وهو ليس قصائد، وإنما هو طريقة تسمى في الأدب العربي بالمزدوج.

كتاب المثنوي

وصل جلال الدين في كتابه المثنوي، إلى خمس وعشرون ألف وستمائة بيت تقريباً، والمثنوي من أهم الكتب في الآداب الإسلامية، بصفة عامة.

ربما بعض الناس يتصور أن المثنوي، كتاب في التصوف، في السلوك والأحوال والمقامات والآداب، مع الشيوخ وآداب المريدين مع بعضهم.

ولكن الوضع يختلف، بالنسبة إلى كتاب المثنوي، فهو كتاب في الثقافة الإسلامية عامة، وهو يقسم إلى ستة أجزاء.

كل جزء منه، ليس مقسم على نحو محدد، وإنما لكي تعرف المعنى، الذي يريده جلال الدين بالذات، عليك أن تقرأ أجزاء المثنوي كله.

وتجد أن هذا الكتاب المهم، لا يعمل فقط على المسائل الصوفية، وإنما على الأخلاق الإسلامية، وعلم الكلام والفلسفة، وعلى موضع الطريقة المولوية، طريقة جلال الدين في التصوف.

ونجد أنه في غاية الأهمية وله مكانة كبيرة في الثقافة الإسلامية، علينا الآن أن نتعرف على الأفكار العامة، التي دعا إليها جلال الدين الرومي.

عدم الاعتماد على العقل

العقل لدى جلال الدين الرومي، وغيره من العلماء الربانيين، أن العقل لا يمكن الاكتفاء به، ضروري هذا صحيح في التعليم والمعرفة.

ولكن يجب أن لا نتوقف عنده، لأننا إذا توقفنا عنده، توقفنا في منتصف الطريق، واستغنينا بالعقل عن الوحي، والعالم المادي عن الحق، وعن الله سبحانه وتعالى.

فاستغنينا بالدنيا عن الآخرة، فلا بد للإنسان أن يمضي في الطريق، حتى يصل إلى العلم بما وراء العلم.

الاعتماد على العشق

اعتمد جلال الدين الرومي على المحبة، ووصفها بالعشق، العشق أي المحبة الإلهية، محبة الإنسان لله عز وجل، ومحبته للكون من حوله.

وأن الكون مسخر له، وليس الإنسان جزء منه، وإنما ينتمي إلى عالم آخر، والفكرة التي كانت سائدة في الصوفية الإسلامية قبل جلال الدين.

هي فكرة الزهد، عندما بدأ التصوف في القرن الثاني الهجري، بدأ على يد الزهاد الكبار، وإن كان الحب موجوداً، في ذلك الوقت، مثل رابعة العدوية وشعارها في الحب، في أشعارها:

أحبك حبين حب الهوى وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له فكشفك للحجب حتى أراك

فلا الافضل في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الفضل في ذا وذاك

وكانت القيمة الكبرى عند الصوفية، هي الخوف من الجليل، حتى أننا لو قرأنا كتاب، مثل كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، نجد مسألة الخوف، مسيطرة على الفكرة الأساسية.

ولكن جلال الدين، كان له رأي آخر حيث قال، العلاقة بين الناس وربهم، يحبهم ويحبونه، والله عز وجل رؤوف بعباده ورحيم، وأقام فكرة المحبة، على أنها أساس العلاقة.

التعلق الروحاني

المستوى النهائي للتجربة، ينبغي أن يكون هناك فصل بين الإنسان وربه، وهي ليست مسألة وحدة وجود، إنما عندما يصل الإنسان، إلى مراحل عليا من التجربة الروحية.

يجد نفسه أنه تخلص من صفاته البشرية، وأصبح ربانياً، كما في الحديث القدسي (لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت يده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وعينه التي يبصر بها وأذنه التي يسمع بها ولئن سألني لأجيبنه) إلى نهاية الحديث.

الغربة على الأرض

وهي إحساس الإنسان بالغربة، في هذا العالم، فلا بد أن يشعر الإنسان، أنه ليس ابن هذه الطبيعة والأرض، إنما هو متعال عنهما.

الأرض مسخرة له، ولا بد أن يعمل عمله فيها، ويثبت فيها ذاته أمام الحق عز وجل، ولكن مكانه في مكان أعلى من الأرض.

لأنه قدم إلى مهمة محددة، ولا بد أن يعود إلى الله (إنا لله وإنا إليه راجعون) وهو المقام الأسمى فهي فترة اختبار.

وهذا الإحساس بالغربة، هو الذي يوقد في الإنسان، جذوة الشوق إلى العودة إلى الأصل، والتعالي عن مظاهر الطبيعة، التي تحيط من حوله وتشده إلى الأسفل.

تطور الانسان

أن الإنسان قد جمع في نفسه كل الحيوات، حياة الجماد، ثم انتقل إلى النباتية، ومن الحياة النباتية إلى الحياة الحيوانية، ثم إلى الإنسانية، ثم إلى ما فوق الإنسانية.

وأن الإنسان سيمضي إلى عالم آخر، هو الموت، ليس إلا لحظة عابرة، وهي مرحلة من السمو والعلو، إلى الأعلى.

ويتخذ من معراج النبي صلى الله عليه وسلم، مثالاً على ذلك، لأن النبي في معراجه، ترك العالم كله، واتجه إلى الحق سبحانه وتعالى.

وأحبه الله عز وجل، وكلفه بأن يعود مرة أخرى، لكي يبلغ الناس دعوته، وهنا يفرق الأمر بين وعي الصوفية، ووعي النبي عليه السلام.

الوعي الصوفي، عبر عنه أحد الصوفية في الهند، علاء الجنجويد، حيث قال: صعد محمد عليه الصلاة والسلام إلى الملأ الأعلى، وبلغ في صعوده، حتى بلغ ذروة المنتهى.

حتى لقي ربه، فوالله لو أني بلغت هذا المقام، ما عدت أبدا، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم عاد، لكي يبلغ الناس رسالته، وأمرهم بالصلاة وهي عماد الدين، هذا هو الفرق بين الوعي النبوي والصوفي.

الالتزام بالأفكار خلال المراحل المختلفة

هناك مسيرة سيطرة على الناس، بلا توازن مثلاً، في مرحلة يتجهون إلى النص، لمجرد حكمة النص، وهذا منتشر جداً.

ومرة أخرى، يتجهون إلى الجانب العقلاني، ويهتمون بالقضايا العقلانية، وينسون قضايا المقاصد والروحانية.

ومرة ثالثة يتجهون إلى الجوانب الروحانية، ويسيطر ما بين زمن وآخر، فكرة على العصر، وتنبذ بقية الأفكار.

فبعد الغزالي انشق المسلمون عن الجوانب الروحانية، وابتعدوا عن الجوانب العقلية، واستمر ذلك إلى عصرنا الحالي.

وهذه الإشكالية، كأنها تصادر المكانة الأخرى، لبقية الأفكار فمثلاً، نجد أن جو الحوار المنفتح، يحترم هذا التنوع والاختلاف.

فالمسألة العقلانية، كانت في أوروبا في القرن التاسع عشر، وقضية العقلانية كانت ديناً، وفي بداية القرن العشرين، ثم تراجعت المدرسة العقلانية.

وقبلها كانت المدرسة الجمالية، وهذه المدارس تأتي واحدة وراء الأخرى، ولكن المجتمع يبقى ينتقد هذه المدرسة التي انتمى إليها سابقاُ ويحترمها.

في العالم الإسلامي الوضع مختلف، فإما أن تكون صوفياً أو عقلانياً، أو روحانياً، وكأنك إذا أخذت رأياً في جانب، فهذا يعني المفاصلة مع الجوانب الأخرى.

وبالتالي وجدت نصوص ضعيفة الروح والعقلانية، ضعيفة الالتزام بالنص والروحانية، الذي يترك القضايا الأخرى.

فكأن الإنسان بدل أن يجمع أطراف هذه القضية، ويحاول أن يتوازن فيما بينها، يضطر إلى أن يختار مدرسة واحدة، ثم يلتزم بها ويجبر مجتمعه أن يلتزم بها.

المقارنة بين أفكار الغزالي وجلال الدين الرومي

هناك مقارنة تحدث فيها عبد الكريم سروج، عن إله الغزالي وإله جلال الدين الرومي، بتعبيره، والتصور الرومي لله سبحانه وتعالى.

فهو نوع من الجناية، لأنه في ثقافتنا هناك مقامين، الخوف والرجاء، ثم أن الفكر في البصرة، وفي الشام، كانت فكرة المحبة.

والأمر الآخر، يوضع الآن جلال الدين الرومي، في مقارنة بينه وبين الحركات الإسلامية، كبديل جديد، الذي يعتقد الغرب، أن هذا هو الإسلام المحبب.

البعيد عن فكرة النضال والمجابهة، والمقاومة، الإسلام السهل والمتعايش، وهذه الأفكار، التي يتم تبنيها في الغرب.

محمد إقبال وأفكار جلال الدين الرومي

وتلميذ جلال الدين في العصر الحالي، هو شخص الكل مجمع على أنه قائد فكري، من الدرجة الأولى، وهو محمد إقبال الشاعر والمفكر الإسلامي.

والواقع أن محمد إقبال، هو الذي تأثر بجلال الدين الرومي، وطريقته، وهو الذي أوحى إليه فكرته الأساسية، التي طالما بحث عنها.

فقد درس الطب في الغرب، وحصل على الدكتوراه، وعاد إلى بلده في 1908 كان حائراً، وبطبعه كان شاعراً أيضاً.

وتصور أن الشعر، يمكن أن يعوض فكرة مسألة الصلة والروح، على أساس أن الشعر، هو لغة الشعور، ولكن الله سبحانه وتعالى هداه.

فقرأ جلال الدين الرومي، قراءة متفحصة، وتمكن من أن يصل إلى آراء، حتى غيرت آراء من درسوه، من قبل مثل نيكلسون كما ذكرنا.

ولكن نيكلسون، كان يتصور أن جلال الدين الرومي، من أصحاب وحدة الوجود، ولكن محمد اقبال، نشر أهم دواوينه، التي كتبها بالفارسية متابعة لأستاذه وشيخه.

كتاب أسرار النفس لمحمد إقبال

كتب محمد إقبال، أسرار الخوديه، أي أسرار النفس الإنسانية، وهو باللغة الفارسية، وهي ليست لغته، ولكنه كتبها شعراً وكتب لها مقدمة.

فأراد نيكلسون أن يترجم الكتاب، من الفارسية إلى الإنجليزية، وأصدره في كتاب أسماه، أسرار النفس.

وتغير رأي نيكلسون في جلال الدين الرومي، وعدد كبير غيره، مثل العلامة المعروف شبلي النعماني، كان يعتبر أن جلال الدين الرومي وحدوي.

ولكن محمد إقبال، أقام نظريته على أساس مخالف تماماً، عن فكرة وحدة الوجود والذاتية، وأن الإنسان ذات، لا بد أن تحكم ذاتها بذاتها.

مثل قطرة المطر في نيسان، فهي تنزل في مياه الخليج، فإذا نزلت، وهي لم تحكم نفسها، تذوب في ماء الخليج، وإذا أحكمت نفسها، ونزلت وبقيت قطرة، فإن الله سبحانه، يوجد لها صدفة، تلتقطها ثم تغلق فمها عليها، وتستمر القطرة، حتى تتحول إلى لؤلؤة، يتزين بها الناس.

الفناء والدعوى لعدم العمل

وهذه فكرة الذاتية، أنها يمكن أن تفنى، لأن الفناء مواكب لفكرة وحدة الوجود، فلماذا نفعل ما نفعل، وما قيمة العمل في الدنيا.

وهذا الذي أنام العالم الإسلامي، بفترة القرن السابع والثامن، ويترك العمل، وينساق وراء أفكار الفناء، وهي القيمة السلبية لفكرة وحدة الوجود.

ونحن لدينا نموذج فهم جلال الدين الرومي، وأسس فكره، وتمكن بالفعل محمد اقبال، بأن يكون للمسلمين، وطن خاص بهم، في شمال القارة الهندية، فكانت باكستان.

وكما نعرف عندما حدث التقسيم في عام 1948، المسلمون استقلوا في باكستان، على أساس أنها المكان، الذي يمكن أن يضم المسلمين.

ولفت نظري في وقت من الأوقات، عند القراءة في هذا الموضوع، أن الأستاذ محمد رمضان، نشر نسخة جديدة، من كتاب المثنوي.

وأستاذ في إيران ونشر المثنوي في طبعة جديدة، وقدم له مقدمة، كتب فيها أن جلال الدين الرومي، كان معاصراً لعدد كبير من الشيوخ.

وقرأت أسماء الشيوخ، فوجدت أنهم نفس الشيوخ، الذين نعرفهم الآن، وهم كثيرون، وهذه الفترة كانت فترة صعبة، في العالم الإسلامية.

فقد تكالبت عليه القوى الصليبية من الغرب، ومزقت أوصاله، واستقرت في بيت المقدس، وجاء بعدها الغزو المغولي، وجاء التتار، والعالم الإسلامي كله تدمر.

حتى أن ابن الأثير، نعى الإسلام حينها، لأنه قد حدث دمار شامل لشرق العالم الإسلامي، لكل هذه الأسباب، وتوزع الحكم بين الدول.

الصوفية ومسألة البقاء

وفي فترة القضاء على الحملة السابعة على مصر، كان عدد من الصوفية، يحاربون مع الجيوش الإسلامية، فبدأت فكرة المقاومة في الروح.

ونجم الدين كبرى في سنة 618 وهو شيخ من مشايخ الصوفية، وجد أن لا قبل له، لمقاومة هؤلاء التتار فهم كثر.

فنادى مريديه، وحارب في المعركة وقتل فيها، ولكن روح المقاومة، كانت موجودة في هذه المرحلة، فالله يريد أن يحيي المقاومة.

وما لبث الصليبيين، أن أوقفوا الهجمات بعد ذلك بقليل، وهي بنفس القرن الثالث عشر، ثم لم يلبث أن تحول المغول أنفسهم إلى الإسلام، وكان من بين من حولهم للإسلام، هم الصوفية والنقشبندية وغيرهم.

تحليل مسألة الخوف والرجاء من الله سبحانه

مسألة الخوف والرجاء، موجودة عند جلال الدين الرومي، يقول أن قلب الإنسان، معلق بين الخوف والرجاء، وقيمة الخوف موجودة.

وهو يعطي أهمية كبيرة، لمسألة الحب أكثر من الخوف، وفيما يتعلق بالبديل الذي يطرحه الغرب الآن، باعتبار أن فكر الإسلام الذي يقدمه جلال الدين سهل، وفي الواقع ليس بهذه الصورة.

فهو يطلب من المسلمين، أن يحكموا ذواتهم، ويكون لهم استقلالهم الخاص، وأن لا يخضعون لجذب التراب والدنيا، وإنما أن يعلون.

حتى يرتفعون فوق كل التحديات الموجودة، ومنها التحديات السياسية، الترجمات الموجودة للمثنوي، ترجم الديوان كأجزاء، وليس بشكل كامل.

وابراهيم الدسوقي شتا، ترجم أجزاء منه، وأنا ترجمة منه أيضاً، وفي الفترة الأخيرة علاء السباعي ترجم منه أيضاً.

وهذا بالنسبة للديوان، ولكن المثنوي، ترجم قبل ذلك إلى العربية، وترجمه أحد مريدي جلال الدين الرومي.

ثم بعد ذلك ترجم من قبل الجواهري، وهو عراقي، وترجمه بشكل شعري، ثم الأستاذ محمد كفافي، وترجم ثلاثة أجزاء من أصل الستة.

والدكتور ابراهيم الدسوقي، أكمل الأجزاء الستة، ونشرت، ولكن كتاب المثنوي، ليس سهلاً، فهو يحتاج إلى شرح وجمع للأفكار، وهناك محاولات كثيرة بقيت إلى الآن.

الجبر والاختيار فكر الرومي

وجلال الدين الرومي في كتابه المثنوي، تحدث عن الجبر والاختيار، وقد حسمها تماماً، فقد أخرجهما من دائرة الخلاف، بطريقة لا يمكن فيها أن نخالفها برأي.

وقد يقول الناس رأي آخر، ولكن هو حسمها، لأنه هناك خلاف بين الأشعرية والمعتزلة، فيما يتعلق بمسألة العمل وحرية الاختيار.

وصل إلى شيء وسط بينهما، مثل مسألة الخمر، وكان أميل إلى الأشعرية، ولكن في النهاية، كانت له طريقته الخاصة في التحليل، وكان يمثل بقصص كثيرة.

فموضوع الخوف والرجاء، سواء كان الشخص عالماً أو قريباً من ذلك، فهو يدرك أن الله سبحانه وتعالى، يعبد بالخوف والرجاء.

ولكن الغزالي، كتب واختار طريقاً في كتابه، قال أن الناس، قد ابتعدوا عن الدين، فلا يصلح أن نعلقهم بالرجاء، فالذي يصلح لهم، أن نخوفهم للاستمرار.

لهذا بنى كتابه على هذا الأساس، وهذا كان حكم على زمانه، إنما هذا الحكم فيه دلالة واضحة، أنه يؤمن بالجانب الآخر، إنما يقول هؤلاء مرضى وعلاجهم كذا.

سواء كان صافي العلاج أم لا، إنما هو يقول أن لا نختار طريقاً واحداً، فإما هذا وإما هذا.

تحليل عصر الرومي وأفكاره في عصره

الرومي كما أشار الأستاذ محمد سعيد جمال الدين، كان يعيش في عصر مضطرب جداً، كانت فيه بلاد المسلمين مستباحة، من الغرب والشرق.

وكانت لحظة قلقة في عمر المسلمين، وأعتقد أن اللحظة التي نعيشها أيضاً، يطبعها هذا الطابع، وكانت رسالة جلال الدين حينها، هي التفاؤل.

أن يظل المؤمن يحسن الظن بنفسه وبربه، مع المسارعة إلى العمل، ونأخذ مثالاً من كلامه، على ذلك من كتاب المثنوي:

في كل لحظة يا رُب قافلة تسير من العدم إلى الوجود، ففي الخريف تذهب آلاف الأغصان والأوراق، منهزمة إلى بحار الموت، بينما الغراب يرتدي السواد كالحزين، وينوح على الخضرة في البستان، وثانية يجيء الأمر من سيد الأرض، فيقول رد ما أكلت أيها الموت الأسود، رد ما أكلت من زرع وأعشاب وحشائش، فيا أخي، اجعل عقلك معك في كل لحظة، فإن بك في كل لحظة خريفاً وربيعاً.

قلب المؤمن دائماً مترع بين الخريف والربيع، وينبغي أن لا يخضع للحظة الصعبة المترعة بالمآسي، وأن ينظر إلى الأفق، وإلى الربيع القادم وراء الغيم.

والنقطة الأخرى، والتي نختم بها، في نمط تفكير جلال الدين الرومي، هي فكرته عن الناي، فالرومي لديه فكرة مركزية، في نمط تفكيره للإنسان.

الإنسان ليس جزء كامل من الأرض، إنما هو مثل الناي، الذي انتزع من مكانه في جنة الخلد، وفي مرحلة (ألست بربكم قالوا بلا)

هذه الفطرة الإيمانية، استل منها، والناي كذلك استل من الغاب، وأصبح قطعة من الخشب مجوفة، كأنه أنيناً.

لذلك هي تصاحب الراعي في خلواته، والمغترب في خلوته، وهي مجوفة مثل الإنسان المجوف، ولديه حنين دائم، للتعلق بالله سبحانه وتعالى، وهذه فكرة مركزية، تدور في كل صفحات المثنوي.

 برنامج أسمار وأفكار

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى