فلسفة ابن سينا في الوجود والمعرفة

فلسفة ابن سينا في الوجود والمعرفة
فلسفة ابن سينا في الوجود والمعرفة

معلومات مختصرة عن ابن سينا وإنجازاته

معلومات مختصرة عن ابن سينا وإنجازاته

إذا تكلمنا في مجال الفكر فهناك مرحلتان تاريخيتان: ما قبل ابن سينا ، وما بعده. ذلك أن إسهاماته في مجال الفلسفة والميتافيزيقيا تفوق ما سبقه، وكانت مصدر إعجاب وانبهار لمن جاء بعده.

وعندما أقول من قبله فهذا يشمل الجميع من فلاسفة اليونان القديمة، إلى فلاسفة العصر الإسلامي.

كتابات ابن سينا

نحن نتكلم عن الحضارة الإسلامية في أوج عظمتها، حيث كانت الفلسفة تبحث وتدرس، ولم تكن تعتبر محرمة أو تكفيرية مثلما هي نظرة اليوم.

وإذا تكلمنا عن الطب فإن كتاب ابن سينا القانون في الطب والذي صدر في خمسة أجزاء كان المصدر المعتمد في المدارس الشرقية والغربية حتى القرن الثامن عشر.

لأنه كان تراكم العلوم الطبية على مر العصور ولحد يومنا، لكن على الرغم من اشتهاره في مجال الطب إلا أنه لم يجد فيه الكثير من التحدي العقلي.

فالفلسفة بالنسبة له كانت التجربة الأصعب، وهي التي استغرقت منه أغلب وقته.

عرف عنه كثرة كتاباته التي تجاوزت الأربعمائة، لكن للأسف لم تصلنا منها سوى مئتان وخمسون.

لكن ما دور ابن وسينا وما الذي قدمه لكي يكون نقطة تحول في مجال الفلسفة؟

نشأته

أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي ابن سينا ، من أصول فارسية ولد في قرية أفشنة بالقرب من بخارى، عندما كانت تحت حكم الدولة السامانية.

في تلك الفترة كانت بخارى تنافس بغداد في مجالات الفقه وعلم الكلام وتفسير القرآن، فكانت بيئة ملائمة لنبوغ عقله.

والده كان صاحب منصب رفيع في الدولة السامانية، وكان من أتباع مذهب الإسماعيلية.

وحفظ ابن سينا القرآن وهو في سن العاشرة، وأتقن الطب وهو ابن السادسة عشرة، وخلال فترة شبابه تعلم من عدة أساتذة في المنطق والرياضيات والشريعة، كل هذا قبل أن يبلغ العشرين.

في سن الثامنة عشرة عالج سلطان بخارى من مرض لم يتمكن أطباء ذلك الزمن من علاجه.

ومن أجل ذلك وتكريماً لإنجازه الكبير سمح له السلطان دخول مكتبته الكبيرة والاطلاع على كافة العلوم مما وسع كثيراً أفق تفكيره.

وفي سن الحادية والعشرين أصدر أول كتاب له عن الميتافيزيقا والأخلاقيات.

تأثر الفلاسفة اللاحقون به من باقي الأديان أيضاً، فأهم فلاسفة القرن الثاني عشر: المسلم ابن رشد والنصراني توماس أكويناس واليهودي موسى بن ميمون.

يدينون بالفضل إلى كتاباته، ولهذا السبب ابن سينا يعتبر نقطة تحول تغيرت الفلسفة بشكل كبير من بعده.

تأثره بالفارابي

ولد ابن سينا بعد وفاة الفارابي بثلاثين سنة، لكنه تعلم من كتاباته الكثير، وخاصة في مجال الفلسفة اليونانية.

حيث تلقى ابن سينا صعوبة بالغة في فهم منشورات أرسطو وأفلاطون ولولا أنه وجد بعضاً من ترجمات وتعليقات الفارابي في المكتبة السامانية لترك هذا المجال نهائياً.

يدين العالم اليوم للفارابي بالكثير، لأنه كان أهم من ترجم مخطوطات القدماء، ولولاه لكان كل الفكر اليوناني طي النسيان.

إثبات وجود الله وأزلية الكون

جميع الباحثين اتفقوا سواء كانوا فلاسفة أم أئمة أم علماء دين على وجوب على ألا تتناقض النظريات مع الصفات الله تعالى.

ولأجل ذلك جاء كل منهم بوصف يحاول مصالحة ما يلاحظونه في الكون والوجود مع ما جاء في القرآن والسيرة النبوية.

محاولة ابن سينا لإثبات وجود الخالق هي تتمة لأفكار عدد كبير من المفكرين الإسلامين وغير الإسلاميين.

فهو لم يكن الأول ولا الأخير في هذا الصدد، وقد حاول استخدام المنطق في استدراج القارئ واستخدام برهنات عقلية، برهنته كانت حول جوهر الأشياء فقسم الجوهر إلى ثلاثة:

مستحيل الحصول

مثل مربع دائري، وهو أمر سخيف ولا يمكن للمنطق تقبله.

مشروط بعامل آخر

وهو كل المخلوقات، على سبيل المثال، فكر في نفسك للحظة من أين جئت، بالطبع من زواج والديك، لكن من أين جاء والداك، الجواب البديهي من زواج أجدادك.

وهكذا تتعاقب الأجيال لحين الوصول إلى الإنسان الأول، الذي جاءت من صلبه كل البشرية. لأنك لو اعتقدت أن تعاقب الآباء والأجداد لا نهائي فهذا أمر غير منطقي، لا بد من أن نعود إلى الإنسان الأول.

وآدم من أين جاء؟ لا بد من وجود خالق له.

وسؤال آخر، أنظر إلى هاتفك وفكر في من صنعه، ربما يكون إنسان أو روبوت، لكن من صنع هذا الروبوت؟ بالتأكيد هو الإنسان، من أين جاء الإنسان؟ من زواج أبويه، وهكذا.

لو أخذت كل شيء على الأرض وفي هذا الكون فلا بد أن هناك سلسلة من المسببات والتي ستتوقف في نقطة معينة، لا بد أن يكون هناك من هو خارج هذه المنظومة والذي صنع كل هذا.

السلسلة اللانهائية غير مقبولة لدى ابن سينا، وقد استرسل كثيراً في شرح فكرة وجوب الوجود بعامل خارجي، وهذا يشمل كل المخلوقات ووجوبية الوجود بحد ذاته وهذه صفة تنسب للخالق.

كل شيء منسوب إليه ومن هنا تفسر لنا صفات الله تعالى من القوة والعلم والقدرة كانت هذه فكرته عن المادة.

مستقل

أي لا حاجة لمن يصنعه وهو الله.

أما رأيه في الزمن فقد اعتقد أن الزمن لم يبدأ من نقطة بل هو سرمدي، لأن الله بلا بداية ولا نهاية وهكذا يجب أن تكون إرادته.

وبما أنه أراد للكون أن يوجد، فلا بد لأن يكون سرمدياً مثلما هي إرادته، وإلا ما الذي غيّر رأي الله ليخلق الكون في نقطة معينة.

وإن كانت تلك اللحظة عشوائية، إذن فخلق الكون جاء من العبث، فأين حكمة الله تعالى في الموضوع مع ضرورة الأخذ بالاعتبار أن لا وجود لعوامل خارجية لأنه لا يوجد شيء سوى العدم.

هذه المشاكل الفكرية والتناقضات كانت معضلة كبيرة لم يتمكن أي مفكر من حلها.

فالرازي قال فقط المجنون من يعمل الأشياء بشكل عشوائي، وقال ابن سينا أن وصف الكون بهذا الشكل يلغي خاصية الله في إيجاب الوجود.

الروح – الرجل الطائر

لمحاولة إثبات أن الروح معزولة عن الجسد في سعيه لحض نظرية أرسطو ابتكر ابن سينا هذه التجربة الفكرية.

لنفترض أن الله خلق إنساناً ناضجاً تماماً من العدم في لمح البصر، هذا الإنسان لم يمر بمرحلة الطفولة بل هو بالغ منذ اللحظة الأولى.

لنفترض أن أطرافه ممددة دون أن تلامس إحداها الأخرى لكي لا يكون هناك أي إيعاز حسي.

لنفترض عدم وجود ضوء يدخل عينيه، وكذلك لا يوجد صوت من حوله يؤثر فيه، بمعنى آخر جميع حواسه الخمسة لا تعمل، وبالطبع لا يتذكر شيئاً لأن عمره لا يتجاوز الثواني.

في هذه المرحلة ما الذي سيتمكن هذا الإنسان من إدراكه؟

حسب رأي ابن سينا فإنه سيدرك نفسه، لأن الوعي هو عنصر أساسي في التركيبة البشرية وهي ليست مادية.

هذه التجربة الفريدة لابن سينا هي لمحاولة دحض فكرة أرسطو وفلاسفة اليونان حول كون الوعي مادي وعدم وجود شيء روحي حول جوهر الإنسان.

وعلى الرغم من أن هذه التجربة الفكرية لا تثبت الكثير، إلا أنها محاولته لوضع فرضيات حول معزل الجسد عن الروح. لأن الإحساس بوجود الذات يأتي قبل الإحساس بوجود المادة.

في العصر الحديث فكرة ابن سينا هذه تعتبر أداة تفكير لضرورة عدم الاقتصار على الجانب المادي للأشياء بل توسيع أفق التفكير.

أعتقد أن ابن سينا استوحى الكثير من نظرية الفيض للفارابي وسلفه أفلاطون.

أنا أفكر إذن أنا موجود

وبالتأكيد قد تخطر على البال مقولة رينيه ديكارت أنا أفكر إذن أنا موجود وأن هناك أوجه شبه بين الفكرتين، فكل منهما تحاول حل المشكلات المختلفة.

ابن سينا أراد أن يثبت وجود فصل بين المادي وغير المادي، لكن ديكارت كان يحاول إزالة الشك من الوجود.

وباختصار فإن ابن سينا أراد أن يثبت ثنائية الروح والمادة، أما ديكارت فأراد أن يثبت ثنائية العقل والجسد، لكن مما لا شك فيه أن ديكارت استلهم من طريقة تفكير ابن سينا لكي يضع أسس نظريته.

الفرق بين ابن سينا والفارابي

بالطبع ليس هناك شخصان يتفقان على كل شيء، وهذا ينطبق على الفلاسفة أيضاً، فأساس تفكير الفارابي كان عن الفلسفة الأخلاقية، أما ابن سينا فكان يبحث بشكل رئيسي عن الميتافيزيقيا.

الفارابي كان يعتقد أن أصل المعرفة العملية تأتي من العقل، أما ابن سينا فكان يعتقد أن الأصل هو في الدين.

كلاهما استمد فكرة تصنيف العلوم من المعلم الأول أرسطو، والذي صنف العلوم إلى نظرية وعملية ونفسية. والعملية قسمها إلى أخلاقية  وسياسية ومنزلية.

وكان لكل من الفارابي وابن سينا تصنيفاتهما الخاصة والتي تأتي من نظرتهم المختلفة للواقع.

فقد قسم الفارابي المعرفة إلى الأخلاق والسياسة والفقه وعلم الكلام.

أما بالنسبة لابن سينا فكان تصنيفه: تدبير النفس و تدبير المنزل وتدبير المدن، والأخيرة قسمها إلى قسمين ما يتعلق بالملك والحكم وما يتعلق بالنبوة والشريعة.

تجنب الفارابي المزج بين الفقه وعلم الكلام مع الفلسفة والسياسة، وكذلك عّرف الأخلاق على أنها فرع مستقل من الدين، أما ابن سينا فكان يعتقد أن دينه هو أصل الفلسفة والأخلاق.

الفلسفة لدى الفارابي تأتي من العقل التخيلي والنقاش أو الجدلية الدينية، أما بالنسبة لابن سينا فمصدر الفلسفة  كذلك السياسة هو خلقي منزلي مدني.

وبينما كان الفارابي كان يعتقد أن الغاية من جميع العلوم هو تحصيل السعادة، كانت لابن سينا غايات مختلفة.

فكان يرى أن الغاية من الفلسفة النظرية هو الوصول إلى الحقيقة، بينما الغاية من الفلسفة العملية هو الوصول إلى الخير.

ابن سينا وابن رشد

على الرغم من كونهما من أتباع مدرسة فكرية متشابهة، لكنهما يختلفان في القضايا المتعلقة بالعقل والروح.

فقد اعتقد ابن رشد أن العقول متشابهة لكونها من الله، والتي أرسلها إلينا عن طريق الروح، ولهذا يرى ابن رشد أن المعرفة تصل إلينا من الله.

والروح شيء ليس ملك شخصي للإنسان على عكس جسده، فعند موت الإنسان يتلاشى جسده، والذي هو جانبه الشخصي ولكن روحه تبقى لأنها ليست له.

المعرفة بالنسبة لابن سينا

بالنسبة لابن سينا في هذا الصدد فإن المعرفة تأتي من الفطرة السليمة، والتي تتطلب مستوى من الإدراك لفهم هذه الفطرة. والأخيرة تختزلها الغريزة والتي تدفع به إلى تجنب الألم.

والغريزة هي التي تدفع بالإنسان إلى تجنب الألم، والانجذاب إلى الجوانب الممتعة في الحياة، وهذه الغريزة موجودة في الإنسان والحيوان وفوق هذه الغريزة نجد المخيلة الإنسانية والتي لا تتواجد في الحيوان.

هذه المخيلة تدمج الحواس مع الغريزة لكي تستنتج المستوى التالي من مراحل العقل وهي التقريب.

حيث يقوم الإنسان بتقريب الأشياء وتقديرها وإيجاد الأفكار التجريدية منها، وكل هذه المستويات تخزن في الذاكرة وهي المستوى الأعلى.

المعرفة بالنسبة لابن رشد

أما بالنسبة لابن رشد فإن الذاكرة هي روحية وليست عقلية، وهي كذلك تأتي من الله.

وهنا تجدر الإشارة إلى فكرة أننا نستمد المعلومات من البعد الآخر كانت ضمن أهم نظريات أفلاطون، وهي نظرية المثل.

وأعتقد أن ابن رشد قد استند في نظريته عن الروح والذاكرة من أفلاطون.

أعلى مرحلة معرفية لدى ابن سينا هو التمكن من استخدام كل هذه المستويات العقلية وتطبيقها للوصول إلى فهم الله تعالى وفهم الوجود والكون.

بالنسبة لابن سينا فإن الإنسان الذي لا يستخدم عقله فهو بعيد عن الله والتعبد والصلوات وحدها ليست كافية لبلوغ الإيمان الحقيقي، فالعلاقة الحقيقية هي عقلية.

أما بالنسبة لابن رشد فهو يعتقد أن العلاقة بين البشر والله روحية، وهو الذي يرسل إلينا المعلومات والمعرفة، وبالتالي يرسل إلينا الإيمان به.

أفلاطوني أو أرسطوي

إن تصنيف العلماء يقع بين العملي والنظري، فأفلاطون كان أكبر المفكرين التجريديين أما تلميذه أرسطو فكان على عكسه ينظر إلى الجانب العملي للأمور.

بشكل عام فإن هذا هو تصنيف هؤلاء الثلاثة حسب مقياس أفلاطون وأرسطو بين الفكر العملي والنظري.

فابن سينا كان أكثرهم اتزاناً أما الفارابي فكان لفكر أفلاطون التأثير الكبير عليه، وبالنسبة لابن رشد فنظرته العملية لكل شيء تضعه ضمن الفكر الأرسطوي.

انتقادات ضد ابن سينا

نظريته حول نشأة الكون والوجود أثار عدة علامات تعجب حول مطابقة وصفه مع ما ورد في القرآن الكريم حاله كحال باقي الفلاسفة أكد على أزلية الكون أي ليست له بداية ولا نهاية.

أحد أشد منتقديه كان الإمام الغزالي، والذي نشر كتاب تهافت الفلاسفة، على أن ندرك أمراً مهماً هنا وهو أنه انتقد ابن سينا في بعض النقاط ولم يرفض الفلسفة جملة وتفصيلاً.

فهو كان من مؤدي دراسة المنطق ولم يعارض شيئاً مما ذكره ابن سينا،.

اعتراضات الغزالي كانت في ثلاثة نقاط:

سرمدية الكون

فيما مضى تكلمت عن مشكلة ابن سينا في وصف إرادة الله في الخلق، فقال الغزالي أن لا بأس بأن تكون هناك نقطة معينة في الخلق، لأن الله حر الإرادة.

فكر في شخص خُيّر بين تمرتين فسيختار إحداهما على الأخرى، إن كانت للإنسان حرية إرادة فلا بد أن لله حرية أعظم.

عدم إدراك الله صغائر الأمور بل فقط الأمور الجلية

وقد كفّر الغزالي ابن سينا على هذا الزعم.

البعث في يوم القيامة

يشمل الروح ولا يشمل الجسد.

أما بالنسبة لعصرنا الحالي فإن الملحدين انتقدوا فكرة ابن سينا في وصف الكون بما يسمى مغالطة التركيب:

والذي يقول أن صفات الجزئيات ليست بالضرورة أن تتشارك في صفات الكل، فربما أن قطع السيارة جيدة لكن السيارة قد تخرج معيوبة.

وهكذا المادة والكواكب هي جزء من الكون لكن لا يشترط للكون أن تكون له نفس صفات أجزائه .

نشكر متابعتكم.

ما هو رد فعلك؟
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0

قد يعجبك أيضاً

اترك تعليقاً