الآداب

قوة الكلمة – المتنبي / قصة وفكرة




قوة الكلمة – المتنبي / قصة وفكرة

قوة الكلمة : كلمات المتنبي تأبى أن تموت على مر الزمان، الكلمة البليغة لها أثرها المباشر في المتلقي، وكل عاشق للغة يدرك مدى التأثير العميق الذي تحدثه الكلمة في الشعوب.

إن أتقن الشاعر نظم قصيدته أو الكاتب حبك مقاله أو الإعلامي إتقان برنامجه موضوع حلقة اليوم قوة الكلمة أهلاً وسهلاً بكم بطل قصة اليوم هو المتنبي.

سيعلم الجمعُ ممن ضمَّ مجلسنا , بأنني خيرُ من تسعى به قدمُ

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي , وأسمعت كلماتي من به صممُ

أنام ملء جفوني عن شواردها , ويسهرُ الخلق جرّاها ويختصمُ

وجاهلٍ مدّه في جهله ضحكي , حتى أتته يدٌ فرّاسة وفمُ

إذا رأيت نيوب الليث بارزة , فلا تظنّنّ أنّ الليث يبتسمُ

أبو الطيب المتنبي قوة الكلمة

المتنبي مالئ الدنيا وشاغل الناس, يعرف المتنبي أثر الكلمة وكيف تنتشر بين الناس, فيقول:

وما الدهر إلا من رواة قصائدي , إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا

فسار به من لا يسيرُ , مشمرا وغنى به من لا يغني مغردا

تغريد الناس بشعر المتنبي لم ينقطع منذ زمانه ولا يزال حتى اليوم, تغرد الناس به.

من هو المتنبي

هو الطيب أحمد بن حسين, هذا اسمه لم يكن اسمه المتنبي, سنقول كيف أصبح المتنبي, أكبر شعراء العربية نادرة زمانه وأعجوبة عصره كما يسمونه.

إمبراطور الشعراء كما أطلق عليه, من أبرز شعراء العالم والتاريخ, ولد في عام 303 للهجرة مدينة الكوفة في العراق.

وكانت رقة حال أسرته أسرة بسيطة كانت دافعاً قوياً له أن يتكسب بالمدح, يمدح الملوك والخلفاء والأمراء فيعطونه.

وكان دائماً يحاول إثبات ذاته بأنه ليس من الطبقة العادية, سنرى هذا الغرور في كل حياته.

بدأ يتعلم العربية منذ صغره, وقال الشعر وعمره تسع سنوات, كان ذكياً مشهوراً بحدة ذكائه, وسافر وارتحل إلى البادية وعاش في البادية.

والسبب أن القبائل البدوية في ذلك الوقت كانت فصيحة فصاحة كاملة, لم تتأثر بالمدن, فعاش بينهم حتى أتقن اللغة, وقيل أنه أدعى النبوة.

وقيل أنه اتبعه مجموعة من الناس في البدو, فخرج إليه أمير حمص فقبض عليه وسجنه في عام 321 هجرية.

فلما طال مقامه في السجن, فأرسل قصيدة يستعطف بها الأمير الذي سجنه, وخرج بذلك من السجن.

وعندما خرج التصق به لقب أنه تنبأ أو إدعى النبوة فسمي المتنبي, واشتهر اسمه أنه المتنبي أي مدعي النبوة.

هذه الرواية ليست ثابتة عنه, لكنه الثابت عنه أنه كان غير محدود الطموح, وكان طموحه سبب شقائه وجعله يلتصق بالحكام والأمراء.

فبدأ مسافراً بين بلاط هؤلاء الحكام والأمراء, وكان أخلاقه ترفع عن أهل عصره على ما فيها من فسوق وتهافت على الشهوات.

ولذلك سيرته خالية من أي خمر أو نساء أو فساد ولا يعرف عنه ذلك.

بدأ يطلق أشعاره بالتتالي بدون توقف كل قصيدة أجمل من الأخرى, يحوي ديوان المتنبي أكثر من 5000 آلاف بيت.ويضم أكثر من 300 قصيدة.

وأيضاً هو الذي رتب ديوانه بنفسه, ولم يظفر ديوان شاعر لا في القديم ولا في الحديث كما ظفر به ديوان المتنبي من العناية والحفظ والشعر والدراسة.

يذكر أن له أكثر من أربعين شرح مختلف لديوان المتنبي, فأي ديوان هذا.

المتنبي والشعر والبلاغة

كان المتنبي لا يجارى, يروى أنه دخل على الوزير ابن الفرات وعنده مجموعة من العلماء والشعراء والفضلاء.

ومن بينهم الشاعر البليغ والأديب أبو علي الآمدي اللغوي, الوزير احتفى بالمتنبي لشهرته.

فقال له يا أبا الطيب هذا أبو علي الآمدي, فقال المتنبي لا أعرفه, كان به غرور شديد, طبعاً هذا أزعج الآمدي, ثم أنشد المتنبي من شعره قوله:

إنّمَا التّهْنِئَاتُ لِلأكْفَاءِ , ولمَنْ يَدَّني مِنَ البُعَدَاءِ

فقال الآمدي: كيف جمعت تهنئة لتهنئات, هي مصدر والمصادر لا تجمع.

فقال أبو الطيب المتنبي لمن بجانبه: هل هذا مسلم!

فقيل: سبحان الله هذا أبو علي الآمدي الأستاذ تقول فيه مثل هذا القول!

قال المتنبي: ألا يصلي! ألا يقرأ في الصلاة التحيات لله والتحيات جمع تحية والتهنئات جمع تهنئة

فصمت الجميع في المجلس, وهكذا كانت قدرته اللغوية, وعندا زادت شهرته كان يتمنوه الملوك ويطلبونه كي يكون معهم, بحيث لم يكن هناك إعلام في ذلك الوقت.

الإعلام هو الشعر.

فاستدعاه سيف الدولة في دمشق, فلما توجه المتنبي إلى دمشق, كان سيف الدولة يقاتل الروم وصد الروم واستولى على معظم الشام وأخرجهم منها, بحيث وصلت شهرته الأرجاء كلها كما يقال.

كان سيف الدولة بحاجة لشاعر بشهرة المتنبي ليصور البطولات التي حققها لأن الأمة كانت تحتاج نهضة من جديد, فوجد بغيته في صاحبه المتنبي.

وفعلاً كتب المتنبي أجمل أشعاره في ديوان خاص سمي سيفيات المتنبي, نسبةً لسيف الدولة الحمداني.

وبالمقابل لم يكن سيف الدولة يبخل على شاعره, فكان يعطيه العطايا, ولكن لصغر مملكة الحمداني كانت الأعطيات قليلة.

من بعد إحدى معارك سيف الدولة أنشد المتنبي يقول: 

لهذا اليوم بعد غدٍ أريج , ونارٌ في العدو لها أجيجُ

عرفتك والصفوف متعباتٌ , وأنت بغير سيفك لا تعيجُ

ووجه البحر يعرف من بعيد , إذا يسجو فكيف إذا يموج

وفينا السيفُ حملته صدوقٌ , إذا لاقى وغارته لجوج

نعوذه من الأعيان بأساً , ويكثر بالدعاء له الضجيج

فكان سيف الدولة سعيد جداً من شعر المتنبي, بحيث لم يعرف سيف الدولة إلا من أشعار المتنبي.

كان يعطيه ولكن عطاءه قليل بسبب صغر مملكته, والمتنبي لم يكفيه ذلك بحيث كان طموحه أعلى من ذلك بحيث طلب المنصب والمال الكثير.

فكل ذلك جعله يغادر بلاط سيف الدولة في الشام وشد رحاله من جديد.

المتنبي والدولة الإخشيدية

توجه المتنبي إلى الدولة الإخشيدية في مصر التي كان يحكمها كافور الأخشيدي في ذلك الوقت,لعله يحوز على منصب أو أموال كثيرة, فهل تحقق أماني المتنبي هناك!

كافور الإخشيدي كان داهية بارع يعرف مقصد المتنبي, بحيث يعلم مقصده ليس فقط الأموال, بل عرف أن المتنبي أراد منه أن يقلده المناصب أو أن يجعله رئيساً للوزراء.

فلم يرد كافور طرد المتنبي لكي لا يهيجه ويذمه لأن في ذلك الوقت كان الشاعر عن مجموعة قنوات فضائية فهو الوسيلة الإعلامي في ذلك الزمان.

وفي نفس لا يستطيع إعطائه مناصب عالية لأنه لا يستحقها في نظره, فجعله يتأرجح بين اليأس والأمل, وفي هذه المرحلة تمثل المتنبي بديوان شعر عرف باسم الكافوريات.

هذه كانت آخر قصائده, فلما ياس كتب قصيدة يهجو بها كافور وفر من مصر, بعد أن كتب قصيدته في حق كافور, رغم أن كافور لم يكن يستحق ذلك.

مع أنه كان سياسياً محنكاً كريماً, فالناس لا تعرف عنه إلا من شعر المتنبي.

المتنبي كان يمدح خورشيد مدحاً شديداً, خورشيد كان أسود شديد السواد, ومن مما قال في مدحه التالي:

أبا كل طيبٍ لا أبا المسك وحده , وكل سحابٍ لا أخص الغواديا

إذا كسبُ الناس المعالي بالندى , فإنك تعطي في نداكَ المعاليا

فهذا شعره يمدح فيه كافور.

مع ذلك هنا فإن المتنبي لعب دور مجموعات قنوات فضائية وإعلام فاسد تبث الأراجيف والأكاذيب فأصبح لا يعرفون عن كافور إلا الشيء السيء بسبب القصيدة التي كتبها المتنبي عن كافور يهجوه فيها ويقول:

العبد ليس لحرٍ صالحٍ بأخٍ , لو أنه في ثياب الحرِ مولودُ

لا تشتري العبد إلا والعصا معه , إن العبيد أنجاسٌ مناكيدُ

ما كنتُ أحسبني أبقى إلى زمنٍ , يسيء بي كلبٌ وهو محمودُ

معارضة المتنبي

اليوم الناس لا تحفظ إلا هذه الأبيات, لا شك أن المتنبي خالف ضميره عندما وصف كافور بما لا يستحق, وصفه بعكس ما كان يمدحه ذلك المدح الشديد.

واضح هنا التقلب الإعلامي, واضح صراع المصالح والمبادئ لدى المتنبي, انتهت بالنسبة إليه, فضيع المبادئ.

وهذه آفة وسائل الإعلام في كل زمان, تجد وسائل الإعلام تطبل وتزمر للحاكم الاستبدادي حتى لو كمم الأفواه وأغلق الفضائيات المعارضة وقتل الناس.

يضل الإعلام يمجد فيه, بينما الصحيفة نفسها عندما إغلاقها من قبل السلطات لا تعرف إلا تذكر حرية الرأي التي أهدرت.

وتبدأ بالتباكي على حريات التعبير, تجد تناقض تقع فيه الكثير من وسائل الإعلام في الماضي وفي زمننا أكثر, وهذا كله نتيجة تقديم المصالح على المبادئ.

قصة الصراع على المصالح والمبادئ

قصة تتكرر في كل زمان ومكان, حتى أصبحت السلطات الاستبدادية خبيرة في هذا الموضوع, هناك بعض الأقلام تمتلك صوت عالي في هذه المجالات .

ليس حباً في الإصلاح ولكن فقط لتلفت أنظار السلطة أنها تستحق بعضاً من المن والسلوى التي بحوزة السلطة.

فإذا قبضوا ثمن سكوتهم, ركنوا وسكتوا عن الإصلاح وزينوا الأوضاع القائمة, وانتظروا وأبشروا بما سيأتي, ويسكتون عن كل البلاء الموجود.

إذا ثالوث المال والإعلام والاستبداد, إذا اجتمع هذا الثالوث فإن الضحية هي الحقيقة, يصل الاستبداد مداه حتى تصبح الجماهير تصفق لمن يقودها نحو الهاوية.

إذاً هذا الخطر الإعلامي كان تتشكل أعلى درجاته في شخصية المتنبي, كان هناك شعراء كثر في زمن المتنبي.

وكل شاعر إما يمثل قناة فضائية أو جريدة, هكذا تخيلوها, أما المتنبي وحده فشبكة من القنوات والجرائد متمثلة في شخص واحد.

قصيدة من المتنبي أو بيت واحد من الشعر يهز العالم العربي كله.

كان المتنبي شخصية نرجسية, واضح من شعره هذا الغرور, والإعجاب بالنفس بشكل مبالغ فيه, ألم تسمعوا قوله:

أيما محلٍ أرتقي , أي عظيمٍ أتقي

وكل ما قد خلق الله , وما لم يخلقِ

محقرٌ في همتي , كشعرةٍ في مفرقي

هذه النرجسية هي التي كانت سبباً في مقتل المتنبي, فهو من الشعراء الذين قتلهم شعرهم.

خرج المتنبي سنة 430 للهجرة قاصداً بغداد بعد ترك مِصر, علم رجلٌ اسمه فاتك ابن أبي جهل الأسدي بخروج المتنبي.

هذا الرجل فاتك هو خال رجل يدعى ضبىَ هذا الشخص هجاه المتنبي في أشعاره, فأراد هذا الرجل الانتقام لأخته وابن أخته  بحيث أن المتنبي فضحهم أمام الناس بهجائه لهم.

فخرج إليه بثلاثين رجل وقيل ستون رجل وقطع الطريق على المتنبي, فلما رأهم المتنبي ورأى كثرتهم أراد الفرار, ولكن أحد غلمانه قال له: لا يتحدث الناس عنك بالفرار وأنت القائل:

الخيل والليل والبيداء تعرفني , والسيف والرمح والقرطاس والقلم

فعندها أستحى المتنبي ولم يفر, ورجع وقاتل, لكنه لم يستطع أن يقف أما هذا العدد, حتى قتل هو وأبنه محسد وعدد من الذين كانوا معه سنة 453 هجرية فهكذا كانت نهاية المتنبي.

مهما اختلف الناس في المتنبي, فإنهم لن يختلفوا أبداَ أن صدى كلماته تبقى خالدة تتردد عبر العصور, فإذا تمرد اليوم على الناس شخصاً فوراً ذكروا بيت المتنبي:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته , وإن أكرمت اللئيم تمردا

وإذا أرادوا ذكر فوائد المصائب ذكروا بيته القائل:

إذا قضت الأيام ما بين أهلها , مصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ

وإذا تبخرت أحلام الناس وأمانيها قالوا:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه , تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

وإذا طلبوا العلى والمجد ذكروا بيته القائل:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم , وتأتي على قدر الكرام المكارمُ

الأفكار

الأفكار مهما كانت جميلة عظيمة ملهمة, فإنها تفقد جزءاً كبيراً منها في تأثيرها بالناس, إذا كانت اللغة المعبرة عنها لغة ركيكة لغة ضعيفة.

اليوم اختلف الوضع, انتشار شبكات التواصل الاجتماعي بين الناس, ساهم في فك حصار التزييف الذي تمارسه سلطات الاستبداد في كل مكان.

جعلت الشعوب تتواصل بحرية بعيداً عن الرقيب الإعلامي وحارس البوابة الإعلامي, رغم أن هذه الوسائل لا تتصف بالرسمية وبها الكثير من الأكاذيب والشائعات.

لكنها أصبحت متنفساً مزعجاً أمام الطغاة الذين كانوا حريصين على إغلاق كل الأبواب الإعلامية أمام أي مخالف لهم, واليوم الجهات الأمنية أصبح لديهم أجهزة مراقبة المواد الإعلامية.

ومراقبة التواصل الاجتماعي, مهمة أمنية جديدة, بعد أن كانت مهمة الجهات الأمنية مراقبة المشتبه بهم والذين من الممكن أن يسببوا قلق للسلطة.

أصبحت مهمة الأمن تقنية متطورة, تأسيس وحدات وغرف مراقبة, تتخفى أحيان بحسابات وهمية خلف أسماء نسائية, لترويج الأكاذيب.

هذه مهمة يائسة لتحسين صورة المستبدين والطغاة, الذين كشفت فضائحهم حرية شبكات التواصل الاجتماعي.

من الكلمات المؤثرة ما ورد وما وصل للمجاهد العظيم صلاح الدين الأيوبي, عندما كان يعد جيشاً لتحرير بيت المقدس, جاءته أبيات شعر تقول:

يا أيها الملك الذي , لمعالم الصلبان نكس

جاءت إليك ظلامةٌ , تسعى من البيت المقدس

كل المساجد طهرت , وأنا على شرفي أنجس

ثارت حمية صلاح الدين الأيوبي وامتنع عن الضحك منذ ذلك اليوم وأقسم أنه لن يضحك حتى يحرر المسجد الأقصى, وسارع في الإعداد لدحر الصليبيين,  وفتح بيت المقدس, وكذلك فعل.

للأسف أصبحنا اليوم في زمن تباع فيه الكلمة وتشترى, بعض الناس يترزق وتاجر بها على حساب دينه والحقيقة.

ولكن مهما بلغت قوة هؤلاء في الكلمة, فلن تصل أفكارهم وأهدافهم للناس, ربما تستطيع أن تخدع بعض الناس لبعض الوقت وبعض الناس كل الوقت, لكن يستحيل أن تخدع كل الناس كل الوقت.

قصة وفكرة

وإذا كانت النفوس كبارا

تعبت في مرادها الأجسام

قصة المتنبي الكلمة زلزلت الظالم، الكلمة منهاج نبي، و كذلك أداة بغي، الكلمة أعطت سلطانا والكلمة هدت طغياناً، إن الكلمة مسؤولية .


المصادر

طارق سويدان


جميع الحقوق محفوظة لموقع ماكتيوبس للنشر والتوثيق 2020 / MakTubes.com

ماكتيوبس

ما هو رد فعلك؟
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى