مراجعة كتاب نظام التفاهة

مراجعة كتاب نظام التفاهة
مراجعة كتاب نظام التفاهة

مراجعة كتاب نظام التفاهة

إذا كنت تتوقع أن من يتحكم اليوم في العلوم والثقافة والتجارة والسياسة هم أعلى الناس كفاءة فمؤلف كتاب نظام التفاهة لا يتفق معك.

لأنه يعتقد أن العالم قد سقط بأيدي التافهين بدون الحاجة لاقتحام سجن الباستيل كما حدث في فرنسا.

ودون الحاجة لاستغلال واقعة حريق البرلمان كما حدث في ألمانيا. ودون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة باتجاه اليابان كما فعلت روسيا

لكن السؤال كيف فعلوا ذلك؟

هذا هو موضوع الكتاب، وهذا ما سنعرضه في مراجعة كتاب نظام التفاهة لأستاذ الفلسفة الكندي الدكتور آلان دونو.

لماذا كتاب نظام التفاهة

لماذا كتاب نظام التفاهة

قد توهمون من العنوان كما توهمت أنا، أنه سيتحدث عن مجموعة يصنفهم الناس بالتافهين يتبوؤون مكانة بينهم ويؤثرون على الآخرين.

لكنك ستجد أن الكتاب لا يتحدث بشكل أساسي عن هؤلاء فهم مجرد نتيجة لنظام كامل، بل على النقيض.

فهو يتحدث عن أساتذة جامعات، مدراء شركات، علماء وخبراء أي شخصيات لا ينظر إليها كتافهة. ويوجه سهام الاتهام للمنظومة كاملة.

لكن حتى نكون دقيقين أعتقد أن اختيار المترجمة مفردة التفاهة غير دقيق، ولم يكن يعني المؤلف هذا.

آلان دونو كتب هذا الكتاب بالفرنسية والمترجمة استعانت بالنسخة الأصلية والنسخة الانكليزية المترجمة.

شرح المعنى الحرفي في كتاب نظام التفاهة

والكلمة الأصلية التي ترجمتها المترجمة إلى نظام التفاهة هي كلمة Mwdiocracy من كلمة Mediocrity أو Mwdiocre.

هذه الكلمة لا تعني تماماً التفاهة لكنها تعني الشيء المتوسط المتواضع الاعتيادي، يعني شخص ليس صاحب كفاءة عالية ولا متردي.

هو شخص متواضع المستوى وعادي، والعجيب أن المؤلف أكد على هذا المعنى في بداية الكتاب في صفحة 70 يقول:

إن كلمة Mediocrity التي ترجمتها المترجمة بالتفاهة تشير إلى ما هو متوسط كما تشير كلمات Superiority أعلى و Inferiority أدنى.

أي يحدد المؤلف أصلاً أن هناك ما هو أعلى وما هو أدنى وما هو متوسط، وهم من يقصدهم في كتابه.

ونحن لو صنفنا التافهين لن نضعهم في المرتبة العليا حتماً ولا المتوسطة ولكن في ما هو أدنى.

كفاءة الموظف العادي

وفي صفحة 75 سنجد أيضاً المؤلف عندما استشهد بمبدأ بيتر باعتباره مثالاً على ما يتحدث عنه قال:

يتمثل هذا المبدأ في أن العمليات النظامية تساعد الموظفين من فئة ذوي الكفاءة الاعتيادية على الترقي.

حتى يصلوا إلى شغل مواقع السلطة مزيحين بذلك كل من المنتمين لفئة ذوي الكفاءة العليا وفئة غير الأكفاء معاً.

فيصنف المؤلف الموظفين إلى أصحاب الكفاءة العالية والاعتيادية وغير الأكفاء، ولو سألتكم أين نصنف التافهين ستضعونهم مع غير الأكفاء.

المؤلف هنا يتحدث عن أصحاب الكفاءة الاعتيادية الذين يساعدهم النظام في إزاحة أصحاب الكفاءة العالية وشغل مواقع السلطة.

فلا أدري لماذا اختارت المترجمة بعد كل هذا مفردة التفاهة إلا لغرض تسويقي وهو في ظني ما تحقق بالفعل.

لأن كثيراً من وقعوا على الكتاب تصوروا موضوعه يدور حول التفاهة التي نفهمها، في حين هو ينحى إلى زاوية أخرى.

وهو ما أضر في نهاية الأمر بالقارئ لأنه سبب إرباكاً له.

ولاحظت هذا الشيء مع كثير ممن تناولوا الكتاب، فاختزلوه في هذا المعنى المتصور من العنوان.

ووجدت في مواقع التواصل كلما وقعت حادثة أو بدر تصرف تافه لأحد المشاهير يستشهدون بغلاف الكتاب.

وبأن هذا هو نظام التفاهة الذي تحدث عنه آلان دونو، بينما من قرأوا الكتاب يجدون الموضوع أوسع من ذلك بكثير.

وسنجد أول ما يبدأ بكتابه بعد المقدمة هو اتهام الجامعات من خلال الفصل الذي تحدث فيه عن المعرفة والخبرة.

فكرة آلان دونو في كتاب نظام التفاهة

لنعد إلى مبدأ بيتر، لو كنا أمام ثلاث أشخاص أحدهم بكفاءة عالية والآخر بكفاءة عادية والأخير لا يملك كفاءة.

أيهم سيصل إلى مواقع السلطة والترقي أكثر؟

يرى المؤلف أننا نعيش في عالم يساعد أصحاب الدرجة الوسطى ويزيح غيرهم، عالم محكوم بقوانين غير مكتوبة لكن الكل يلعبها.

تخيل أن تدخل في شركة أو أي بيئة وأنت متحمس تعتقد أن كفاءتك هي التي ستساعدك على الترقي ومن ستكافئك.

ثم تكتشف أن هناك وسائل أخرى تساعد الناس على الترقي بشكل أسرع وهذه الوسائل تخالف قيمك أو مبادئ الكفاءة العليا.

هي غير مكتوبة لكن الكل يفهمها أشبه بلعبة كما يصفها المؤلف، ستجد أنك مضطر لاتباعها مثل البقية حتى تحقق أهدافك.

ثم ذكر من خلال فصول كتاب نظام التفاهة مظاهر تجلي هذه اللعبة في الأكاديميات والتجارة والسياسة وباقي مناحي الحياة.

لتكتشف أن من يتحكم بالعالم اليوم هم ممارسو هذه اللعبة.

نظام الدرجات التقليدي

على سبيل المثال، لو وجد أستاذ لا يملك كفاءة ولا يلتزم بالمقررات الأكاديمية فهنا المؤسسة الأكاديمية ستقوم بفصله وهذا مفهوم.

يقول المؤلف ولكن لو تمرد أستاذ على بروتوكولات التدريس فاستطاع مساعدة جميع الطلاب حتى يصبحوا بمستوى عالي يعادل أفضل التلاميذ.

فإن هذا أيضاً قد يتسبب بمشكلة هل لأنه أربك نظام الدرجات التقليدي.

نظام الدرجات التقليدي في المؤسسات الأكاديديمة عموماً يقول أن 20% مثلاً يحصلون على أعلى الدرجات A أو A+.

معظم الطلاب لنقل مثلاً من 50 إلى 80% بين B و C، وهناك نسبة قليلة D  لأو F.

هذا هو عادة نظام الدرجات التقليدي.

الخروج على النظام

لو قام مدرس بإرباك النظام فجعل الطلاب أغلبهم A و A+ فهذا سيتسبب له بمشكلة. ولو شرح منهاج سنتين أو ثلاث خلال سنة واحدة.

وتسبب بمشكلة لمدرس السنة الثانية. هنا سيضطر صاحب الكفاءة العالية أن ينحدر إلى المستوى المتوسط.

أذكر شيء لاحظته مع بعض الأساتذة أيام الجامعة عندما كان بعض الأساتذة يتعمد ألا يعطي كل التمارين والأسئلة والحيل.

فنتفاجأ بالامتحان بأفكار جديدة وعندما نسأل الدكتور لماذا لم يعطينا هذه الأفكار في الدرس أو على شكل واجبات منزلية.

فكان بعض الأساتذة يقول صراحة: عندها لن أجد أسئلة جديدية في الامتحان والأغلب سينال العلامة الكاملة.

وهنا طغى النظام على القيمة التعليمية نفسها.

القيمة التعليمية

عندنا قيمتان قيمة تعليمية بأن يتلقى الطلاب المعلومة بشكل جيد حتى ولو وصلوا كلهم إلى نفس المستوى.

ونظام يقول أنه يجب ألا يربك النظام التقليدي للدرجات وأن يكون هناك توزيع بالدرجات بين الطلاب.

فهنا يتغلب النظام على القيمة التعليمية. وهذه أحد أشكال النظام التي يتحدث عنه آلان دونو أنه غير محكوم بالقيم العليا.

فإن جاء صاحب كفاءة عالية وحاول أن يرتقي بها لتلك القيم وكانت تخالف فكر الموضوع سيسقط مما يضطره للالتزام باللعبة.

وهكذا تجد اللعبة على مستويات أخرى فتضطر إلى الالتزام الحرفي بالأنظمة حتى لو كانت لديك فكرة جيدة من شأنها أن تحدث ثورة تعليمية واقتصادية.

أو على النطاق الذي أنت فيه من الممكن أن تتسبب لك بمشكلة.

فيصبح الترقي من نصيب أصحاب الكفاءة الاعتيادية ومن اختاروا ألا يسألوا أي أحد أو يغيروا أي شيء.

ويسقط أصحاب الكفاءات العالية أو يضطروا إلى مواكبة البقية والدخول في اللعبة وهذه هي Mediocricy التي ترجمت لمصطلح نظام التفاهة

هو النظام الذي تكون الطبقة المسيطرة فيه هي هذه الطبقة من الناس أصحاب الكفاءة الاعتيادية والذين دخلوا اللعبة.

وهو النظام الذي تتم فيه مكافأة هؤلاء أكثر من الجودة والكفاءة. وسنلاحظ التناقض بين القيمتين العليا والمادية إن صح التعبير.

لأن المؤلف يوجه سهام الاتهام إلى الرأسمالية باعتبار المال يقف خلف هذا النظام.

القيمة المادية

يضرب المؤلف مثالاً بعض الأطباء الذين يعطون أدوية لا يحتاجها المرضى لأنهم سيكافأون عليها من مؤسساتهم التي يقف خلفها المال.

أو القائمين عل الضرائب عندما يطاردون البسطاء ويتركون مخالفات الشركات الكبرى لأي سبب كان.

وهذه الأمثلة من واقع المؤلف وبيئته المحلية ولا تنطبق بالضرورة على كل مكان، مما يضطر البقية إلى استنساخ هذه اللعبة.

مع أنه لا شيء منها مكتوب في قانون لكن الجميع يفهمها، والأمر نفسه ينطبق على الجامعات مما لاحظه المؤلف.

أن الجامعات تخرج خبراء لا مثقفين وأن طبيعة مخرجاتها تتسم بالمادية، فيقول:

الجامعات اليوم بسبب التخصصات الدقيقة صارت تسطح عقول خريجيها من خلال تركيزهم على معرفة دقيقة جداً مفصلة على احتياجات سوق العمل بعيداً عن التفكير النقدي.

وهذا ما يقصده المؤلف بأن الجامعات تخرج خبراء لا مثقفين لأن المثقف من شأنه أن يملك التفكير الناقد.

للربط بين الموضوعات المختلفة في حياته بينما الخبير فهو مجرد أداة وترس يخدم وظيفة محددة.

الموظف الترس

من الأفكار المثيرة للاهتمام التي ذكرها المؤلف التي قد تفسر لماذا كثير من أعمالنا منزوعة الحيوية ويشعر الموظف بعدم المبالاة.

يقول المؤلف السبب أن الحرفة فقدت وتحولت الوظيفة بسبب تقسيم العمل.

وهذه تعود إلى فكرة آدم سميث الذي يعرف بمؤسس علم الاقتصاد الحديث حول أن العمل حينما يقسم فإن الانتاجية تزيد.

فلو كان لدي عامل يقوم بتصنيع سيارة كاملة لوحده كل أسبوع، لو عندي عشرة عمال سيصنعون في أسبوع عشر سيارات.

لكن فكرة تقسيم العمل تقول بأن لو قسمنا العمل بين العمال فكل عامل يصبح مسؤولاً عن جزء في صناعة السيارة.

هذا للهيكل وذاك للمحرك وذاك للإطارات، فإننا نستطيع بنفس العدد أن ننتج ربما مائة سيارة في أسبوع وليس فقط عشرة.

هنا يقول المؤلف فقد العمل حرفته ولم يعد ينتج السيارة بل صار مجرد موظف مسؤول عن جزء منها.

ولو قسمنا العمل أكثر فصار مسؤولاً عن جزء من المحرك وليس كل المحرك ولو خصصناها أكثر فصار مسؤولاً عن ترس.

والترس في جزء معين من المحرك يصبح هنا الموظف مجرد ترس في سلسلة من العمليات التي لا يفهمها.

ويمكن أن ينتج وجبات في خطوط انتاج وهو لا يعرف الطبخ.

ولاحظوا أيضاً أنه بسبب تخصصه الدقيق في هذا الجزء المحدد من هذه العملية الكاملة صار مرتهناً للشركة.

فالتخصص الدقيق قيده بأصحاب رؤوس الأموال، عدا عن مشكلة قد تظهر في المستقبل بسبب ظهور الذكاء الاصطناعي.

وتخلي كثير من الشركات عن الحاجة لليد البشرية وأن تحصر التعليم في مسارات دقيقة ومحددة وتستغني عنه في مسارات أخرى.

وهكذا ستحصر عقول طلاب الجامعات بمسارات تحددها الشركات وتفقد بعض المسارات قيمتها مما يسبب مشكلة لمن عقولهم غير مهيأة لها.

القيمة المعرفية المسطحة

هذا التحكم للشركات في القيمة المعرفية التي تخرجها الجامعات تتعاظم عندما تعتمد الجامعة في تمويلها على الشركات وليس على الدولة.

لذلك تصبح حتى الأبحاث بل والطلاب مجرد سلعة تبيعهم الجامعة للشركات.

وذكر مثالاً على تمويل شركة كوكا كولا لدراسات علمية تدعي أن سبب السمنة ليس السعرات الحرارية بل نوع الرياضة.

أو تمويل أساتذة كليات الطب من قبل شركات الأدوية حتى يهونوا من الآثار الجانبية لبعض الأدوية.

ومرة أخرى هو يتحدث عن واقع بيئته لا ينطبق بالضرورة في كل مكان.

الشركات الكبرى

ونفس هذه اللعبة حيث نفقد القيم العليا بسبب المال تنطبق بالتجارة والسياسة. فتحدث كيف تتهرب الشركات من الضارئب.

أو حقوق العمال في دولها من خلال تصنيع منتجاتها أو بعضها في مناطق ليس لديها هذه القيود مثل ما يعرف بالجنات الضريبية أو السوق الحرة.

وكيف تضر هذه بالصناعة المحلية بسبب انخفاض أسعارها فيضطر الجميع أن يقوم بهذه اللعبة حتى لا يغرقهم السوق.

دور الفنانين

وتطرق أيضاً لاستغلال أصحاب رؤوس الأموال للفنانين من ناحية أن المستثمرين يقدرون فقط الفنانين الذين يستطيعون أن يكونوا خالقين للمال.

وهذا ما يدفع ببعض الفنانين إلى تحويل أعمالهم بما يتحقق مع هذا المطلب. ومن ناحية أخرى تستغلهم كعامل اجتماعي.

واستشهد بحادثة وقعت في منطقة كيبيك في كندا عندما انفجر قطار مليء بالنفط فمات على إثر الانفجار 47 شخصاً.

وكان السبب هو إهمال وجشع شركات النقل التي حاولت زيادة أرباحها بتقليل احتياطات السلامة.

فتم استدعاء الفنانين لإحياء عدة حفلات موسيقية خيرية كدعم للمجتمع ولصرف الأنظار عن الجريمة.

رأي في كتاب نظام التفاهة

إن كانت فكرة كتاب نظام التفاهة جيدة لكن الأفكار التي طرحها المؤلف وصياغته لها ليست كذلك.

والمترجمة قامت بجهد واضح بالحواشي وإن كانت أطالت في بعضها دون حاجة وأطالت في المقدمة التي تقع في 66 صفحة.

ويمكن أن أتفهم الأجزاء المخصصة بأفكار الكتاب لكن بداية المقدمة التي تحدثت فيها عن الترجمة وطريقتها فيها هي مكررة يرددها كل مترجم وتمنيت لو تجاوزتها.

لا أنصح بالكتاب رغم أني استفدت من الكتاب، لكن الفائدة التي استفدتها قليلة نسبة إلى عدد صفحاته الـ 360 صفحة.

لم أستفد إلا من خمسين أو مائة صفحة كحد أقسى.

لغة المؤلف غير واضحة مع أنه كان ينتقد الأكاديميين لأنهم يكتبون بلغة غير واضحة لكن لغته كانت بالنسبة لي أعقد.

بالإضافة إلى أنه لم يقدم حلولاً للمشاكل التي عرضها ولوجود تناقض في بعض الأفكار التي قدمها ولا تتسع لها المراجعة.

هناك كتب أخرى قريبة من موضوع الكتاب يمكن أن تكون أفضل وأنصح بها مثل كتاب عقيدة الصدمة لنعومي كلاين.

ركزت فيه المؤلفة على تأثير المال في السياسة على وجه الخصوص، كتاب واضح ولغته جميلة وحتى لو لم تكن لديك دراية بالاقتصاد أو السياسة ستفهمه.

وآلان دونو بالمناسبة امتدحها في كتابه كمثال على الصحفيين الذين يقدمون أعمال جيدة، تمنيت لو أنه اقتدى بها في كتابه.

المصادر

قناة سامي البطاطي


جميع الحقوق محفوظة لموقع ماكتيوبس للنشر والتوثيق 2020 / MakTubes.com

ماكتيوبس

ما هو رد فعلك؟
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0

قد يعجبك أيضاً

اترك تعليقاً