إسلامشخصياتقصص وحكايات

قصة رجاء بن حيوة مع عمر بن عبد العزيز



 

رجاء بن حيوة : الإمام القدوة والوزير العادل، له في عنق المسلمين منة وفضل بسبب مشورته في تولية عمر بن عبد العزيز.

كان عبد الله بن عون إذا ذكر من يعجبه، ذكر رجاء بن حيوة، وقال ابن عون: ثلاث لم أر مثلهم، كأنهم التقوا فتواصوا.

ابن سيرين في العراق، قاسم بن محمد في الحجاز، ورجاء بن حيوة في الشام، وقال ابن الثيب: ما رأيت أحداً أحسن اعتدالاً في صلاة من رجاء بن حيوة.

وقال ابن عون: ما أدركت من الناس أحداً أعظم رجاءً من أهل الإسلام، من القاسم بن محمد، ومحمد بن سيرين، ورجاء بن حيوة، فلله در أبي المقدام رجاء بن حيوة، من وزير صدق.

نظرته في مصلحة العامة من المسلمين

قال رحمه الله رجاء بن حيوة لعدي بن عدي ومعن بن المنذر يوماً، وهو يعظهما، انظرا إلى الأمر الذي تحبان أن تلقيا الله عليه، فخذا فيه الساعة، انظرا إلى الأمر الذي تكرهان أن تلقيا الله عليه، فدعاه الساعة.

عن العلاء بن روبة، كانت لي حاجة إلى رجاء بن حيوة، فسألت عنه، فقالوا هو عند سليمان بن عبد الملك، فلقيته فقال: ولى أمير المؤمنين اليوم ابن موهب القضاء.

ولو خيرت بين أن ألي وبين أن أحمل إلى حفرتي، لاخترت أن أحمل إلى حفرتي، قلت: إن الناس يقولون إنك أنت الذي أشرت به، قال: صدقوا إني نظرت للعامة ولم أنظر له.

هذا الوزير الجليل أبو المقدام رجاء بن حيوة، له في قلوب الصادقين الربانيين، كل الحب والود، فلقد اختارته المقادير ليكون السبب الأول والأوثق.

في افضاء الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز، وزف بهذا أعظم البشريات لدين الله، ولدنيا الناس، وأسدى لعيون المسلمين فرحة عمر، وبهجة حياة تبرق بها.

بقدوم معجزة الحاكم الورع، العادل الطهور، فسلام الله عليك يا رجاء بن حيوة، لقد كانت كلمتا العدل والرحمة، تسبيحة عذبة على لسانه، يلهج بها دوماً ويصبها في أسماع الخليفة سليمان.

أثر رجاء بن حيوة في خلافة عمر بن عبد العزيز

قال رجاء: لما ثقل سليمان، رآني عمر في الدار أخرج وأدخل، فقال: يا رجاء أذكرك الله والإسلام أن تذكرني لأمير المؤمنين، أو تشير بي عليه إن استشارك، فوالله ما أقوى على هذا الأمر.

فانتهرته وقلت: إنك لحريص على الخلافة أتطمع أن أشير عليه بك، فاستحيا، ودخلت فقال سليمان: من ترى لهذا الأمر؟

فقلت: اتق الله، فإنك قادم عليه وسائلك عن هذا الأمر وما صنعت فيه، قال: فمن ترى؟ قلت: عمر بن عبد العزيز.

قال محمد بن علي بن شافع: إني لأرجو أن يدخل الله سليمان بن عبد الملك، الجنة لاستعماله عمر بن عبد العزيز، فكيف بمن أشار إليه بذلك.

مشورة رجاء بن حيوة لأمير المؤمنين

عن رجاء بن حيوة قال: لما كان يوم الجمعة، لبس سليمان بن عبد الملك، ثياباً خضراً من خذ، ونظر في المرآة فقال: أنا والله الملك الشاب.

فخرج إلى الصلاة يصلي مع الناس صلاة الجمعة، فلم يرجع حتى وعك، فلما ثقل كتب كتاب عهده إلى ابنه أيوب، وهو غلام لم يبلغ.

فقلت: ما تصنع يا أمير المؤمنين، إنه مما يحفظ به الخليفة في قبره أن يستخلف الرجل الصالح، فقال: كتاب أستخير الله فيه وأنظر، ولم أعزم عليه.

فمكث يوماً أو يومين، ثم خرقه، ثم دعاني فقال: ما ترى في داوود بن سليمان، فقلت: هو غائب بالقسطنطينية، وأنت لا تدري أحي هو أم ميت.

قال: يا رجاء فمن ترى، فقلت: رأيك يا أمير المؤمنين، وأنا أريد أن أنظر من تذكر، فقال: كيف ترى في عمر بن عبد العزيز؟

فقلت: أعلمه والله فاضلاً خياراً مسلماً، قال: هو والله على ذلك، ولئن وليته ولم أول أحداً من ولدي عبد الملك بن مروان،

لتكونن فتنة، ولا يتركونه أبداً يلي عليهم، إلا أن أجعل أحداً بعده، ويزيد بن عبد الملك يومئذ غائب عن الموسم، قال: فاجعل يزيد بن عبد الملك بعده، فإن كان مما يسكنهم ويرضون به.

كتاب ولاية الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز

قلت: رأيك، فكتب بيده: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز، إني وليته الخلافة بعدي، ومن بعده يزيد بن عبد الملك.

فاسمعوا له وأطيعوا واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم، وختم الكتاب، وأرسل إلى كعب بن جابر صاحب شرطته، أن مر أهل بيتي أن يجتمعوا بجمعهم.

ثم قال سليمان لرجاء بعد اجتماعهم: اذهب بكتابي هذا إليهم فأخبرهم أنه كتابي، ومرهم فليبايعوا من وليت.

ففعل رجاء بن حيوة، فقالوا سمعنا وأطعنا لمن فيه، وقالوا ندخل ونسلم على أمير المؤمنين، قال: نعم، فدخلوا.

فقال لهم سليمان بن عبد الملك: هذا الكتاب، عهدي فاسمعوا له وأطيعوا، وبايعوا لمن سميت في هذا الكتاب، قال: فبايعهوا رجلاً رجلاً، ثم خرج بالكتاب مختوماً في يد رجاء بن حيوة.

تخوف عمر بن عبد العزيز من الولاية

وقال رجاء: فلما تفرقوا جاءني عمر بن عبد العزيز، فقال: يا أبا المقدام، إن سليمان كانت له بي حرمة ومودة، وكان بي براً وملطفا، فأنا أخشا أن يكون قد أسند لي من هذا الأمر شيئاً.

فأنشدك الله وحرمتي، إلا أعلمتني إن كان ذلك، حتى أستعفيه الآن قبل أن يأتي حال، لا أقدر فيه على ذلك، فقال رجاء: لا والله ما أنا مخبرك حرفاً واحداً، فذهب عمر غاضباً.

هشام بن عبد الملك يطلب الولاية

قال رجاء: ولقيني هشام بن عبد الملك فقال: يا رجاء، إن لي حرمة ومودة قديمة وعندي شكر، فأعلمني أهذا الأمر إلي؟ فإن كان إلي علمت، وإن كان إلى غيري، تكلمت.

فلك الله ألا أذكر اسمك أبداً، فأعلمني، فأبيت وقلت: والله لا أخبرك حرفاً واحداً، فانصرف هشام وهو مؤيس، يضرب باحدى يديه على الأخرى ويقول: فإلى من إذا نحيت عني؟ أتخرج من بني عبد الملك؟

وفاة سليمان بن عبد الملك

قال رجاء: ودخلت على سليمان وهو يموت، فجعلت إذا أخذته سكرة من سكرات الموت، حرفته إلى القبلة، فجعل يقول وهو يفاق: لم يئن لذلك بعد يا رجاء.

حتى فعلت ذلك مرتين، فلما كانت الثالثة قال: من الآن يا رجاء، إن كنت تريد شيئاً؟ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد عبده ورسوله.

فحرفته ومات، فلما غمضته سجيته بقطيفة خضراء، وأغلقت الباب، وأرسلت إلي زوجته: كيف أصبح، فقلت: نام وقد تغطى، فنظر الرسول إليه مغطاً، فرجع فأخبر زوجته، فقبلت.

وقال رجاء: وأجلست على الباب من أثق به، وأوصيته أن لا يريم حتى آتيه، وأن لا يدخل على الخليفة أحد.

إعلان وفاة سليمان وخلافة عمر

وخرجت وأرسلت إلى كعب بن جابر، فجمع أهل بيت أمير المؤمنين، فاجتمعوا في مسجد دابق، فقلت: بايعوا، فقالوا: كنا قد بايعنا مرة، ونبايع مرة أخرى؟

قلت: هذا أمير المؤمنين، بايعوا على ما أمر به، ومن سمى في هذا الكتاب المختوم، فبايعوا رجلاً رجلاً.

فرأيت أني قد أحكمت الأمر فقلت: قوموا إلى صاحبكم قد مات، وقرأت عليهم الكتاب، فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز.

نادى هشام بن عبد الملك، قلت: والله أضرب عنقك، قم فبايع، فقام يجر رجليه، وأخذت بضبعي عمر وأجلسته على المنبر، وهو يسترجع لما وقع فيه، وهشام يسترجع لما أخطأه.

فلما انتهى هشام إلى عمر قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، حيث صار هذا الأمر إليك على ولد عبد الملك، فقال عمر: نعم وإنا لله وإنا إليه راجعون، حيث صار إلي لكراهتي له.

لله در هذا الوزير الرباني، الذي يقول فيه مسلمة بن عبد الملك، أمير السرايا برجاء بن حيوة وبأمثاله، ننصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى