العناية بالذاتصحة

ما هو خطر النظافة




كثرة النظافة أو قلتها أيهما الأخطر

كثرة النظافة أو قلتها أيهما الأخطر

خطر النظافة علينا هو أن ننظف طوال اليوم وكل يوم كلمات البريطانية ” لويس ” وهي ربة منزل عمرها 33 عاماً تقضي على الأقل ست ساعات يومياً في تنظيف منزلها المؤلف من سبع غرف.

والمفاجأة أنها أم لتسعة أطفال، ولكي تحافظ على النظافة والنظام في داخل المنزل، قامت لويس بتخصيص إحدى الغرف كخزانة للملابس، تمنع أي شخص غيرها للدخول.

حتى لا يلوث الملابس أو يبعثرها، حتى أنها لا تقوم بطبخ البرغر داخل المنزل، لأنها لا تستطيع التعامل مع البقع أو رائحة الدهون التي تظل عالقة لأيام.

وتتعجب من أنها إذا كانت مسؤولة عن زوجها وتسعة أبناء وبيتها نظيف تماماً، فلماذا لا يستطيع كل الناس فعل ذلك؟

هل كثرة النظافة وسواس قهري

لويس ليست مصابة بالوسواس القهري المرضي OCD، لكنها تعتقد أن ما تقوم به يجب أن يفعله الآخرون عندما يتعلق الأمر بالنظافة.

بينما الكوميدية الأمريكية الراحلة جون ريفرز تهزل وتقول:

أكره أعمال المنزل. أنظف السرير وأغسل الأطباق، وبعد ستة شهور أغسلها مرة أخرى، لكن هل تساءلتم ما هو مقدار النظافة التي نحتاجها في حياتنا؟

بين المنطق والعلم

يعتقد البعض أننا نحصل على معلومات علمية متناقضة.

فبينما يقول المنطق أن مستوى النظافة الجيد يساعدنا في محاربة العدوى والأمراض، يقول العلم أن منتجات التنظيف التي نستخدمها يومياً تقتل البكتيريا المفيدة لمصلحتنا.

هناك فرضية تقول أن النظافة الزائدة عن الحد هي السبب في تزايد أعداد المصابين بالحساسية وغيرها من الاضطرابات.

ففي أوروبا وحدها هناك أكثر من 150 مليون شخص لديهم نواع واحد على الأقل من الحساسية.

وفي أمريكا توجد إحصائية حول إصابة واحد من كل 25 طفل بحصيد الطعام، ناهيك عن التزايد العالمي في حالات الربو والتهاب مخاطية الأنف.

هل كثرة التنظيف مضرة

أول من تحدث عن فرضية أن كثرة التنظيف هي شيء سلبي، هو طبيب الأوبئة ديفيد ستراتشان.

استنتج في عام 1989 أثناء عمله في جامعة لندن للصحة وطب المناطق الإستوائية، أن مظاهر الحياة الحديثة لم تسمح لنا أن نتعرض للكثير من الميكروبات أثناء الطفولة المبكرة.

لذلك أصابتنا الحساسية سواء في الجهاز التنفسي أو الجلد.

أما الأطفال الذين يكبرون في المزارع أو الذين يربون حيوانات أليفة أو أطباقهم تغسل بالطريقة العادية دون معقمات ولا غسالات تكون صحتهم أفضل.

الربو

الربو مرض مزمن يؤدي إلى التهاب وضيق المسالك التنفسية بشكل متقطع، ويتسبب في ضياع أوقات من المدرسة والعمل وزيارات متكررة لغرف الطوارئ.

لذلك يحاول العلماء الوصول إلى وسائل تضمن الوقاية منه في مراحل مبكرة، كما يقول أنتوني فوسي مدير معهد الصحة الوطنية في أمريكا.

المايكروبيوم والميكروبات

الطيبة سالي بلومفيلد بجامعة لندن للصحة تقول إن مئات الدراسات في السنوات الأخيرة تربط أغلب الأمراض بالمايكروبايوم.

وهي كائنات حية دقيقة تعيش داخل الإنسان أو على جلده، وهذا يجعلنا مشوشين ولا نعرف أي  ميكروبات مفيدة لصحتنا وأيها مضر.

لكن ظهرت دراسة في ألمانيا في عام 2013 استنتجت أن المهم هو التنوع في الميكروبات.

بعض الأمهات مثلاً إذا سقطت لعبة من يد طفلها لا تعيدها له حتى تغسلها، وتفزع إذا التقط شيئاً صلباً من الأرض ووضعه في فمه.

طبعاً الخطورة تكمن في أن يبلع ذلك الشيء، لكن في الحقيقة الأطفال لا بد يتعرضون لميكروبات متنوعة عن طريق اللعاب لتحميهم من تطور الربو  والإكزيما.

لو أصابك لا قدّر الله تسمم بعدما أكلت في المطعم، تقول أن السبب هو عدم نظافة المطعم، لكن هل تعرفون أن ثلث حالات تسمم الغذاء تحدث من أكل الطعام في داخل البيت؟

التسمم

أغلب الدواجن تحتوي على بكتيريا اسمها كامبيولوباكتر أو البكتيريا المنحنية وهي البكتيريا المسببة للتسمم، وتنتقل بسهولة من الدجاج النيء إلى الأيدي وألواح التقطيع.

لذلك يؤمن مستشارو السلامة الصحية أن أي نظريات تجعل الناس يتراجعون عن النظافة وغسل الأيدي هي نظريات خطيرة.

ولهذا يجب على الإنسان أن يغسل يديه قبل وبعد الطبخ، وقبل تناول الطعام وبعد دخول الحمام، وبعد لمس الحيوانات، لكي يتحاشى مشاكل التسمم وأمراض المعدة وعدوى الجهاز التنفسي.

النظافة والإعلانات

غسل الأيدي وتنظيف المطبخ جيداً لا يعني استخدام المنظفات التي لا تحوي كحول، التي تقتل 99% من الجراثيم؟

فعلى عكس ما تروجه الإعلانات، هذه المنتجات أكثر ضرراً على صحتنا. لأنها تجعل البكتيريا أكثر قدرة على البقاء.

وهذا أدى إلى أن المضادات الحيوية لا تعمل كالسابق، وهذه مشكلة حقيقية للبشر. ولذلك أطلق العلماء على البكتيريا المقاومة إسم سوبر باغ Superbug.

سوبر باغ Superbug

في  ديسمبر عام 2016 وضعت الأمم المتحدة مشكلة سوبر باغ التي تقاوم المضاد الحيوي في خانة الأزمات العالمية.

وقالت منظمة الصحة العالمية WHO أننا قد نجد أنفسنا قريباً في عصر ما بعد المضاد الحيوي، التي تكون فيه أي إصابة بسيطة حينها خطيرة، وقد تهدد حياة المصاب.

ولهذا يحاول العلماء الوصول إلى أنواع جديدة وفعالة من المضادات الحيوية، كما فعل الباحثون في جامعة روكفلر الأمريكية.

حيث اكتشفوا مركباً يدعى مالاسيدين أثناء تحليل عينات أكثر من ألف نوع من التربة، وبعد حقن  فئران مصابة ببكتيريا سوبر باغ اسمها MRSA، لاحظوا شفائها من عدوى الجلد التي سببتها تلك البكتيريا.

ولهذا يعمل الباحثون على تطوير عائلة جديدة من المضادات الحيوية، تكون فعالة لمقاومة السوبر باغ.

بكتيريا ليستيريا

هنالك بكتيريا تسمى ليستيريا والتي تسبب التسمم الغذائي، وهي من أنواع البكتيريا المميتة. الخبر السيء أنها صارت تقاوم المضادات الحيوية.

لكن في بحث نشرته جامعة أدنبره في اسكتلندا في سبتمبر 2018 يحمل أملاً كبيراً فيما يخص محاولات الوقوف أمام السوبر باغ حيث قال البحث أن مضاداً حيوياً يدعى فوسفوميسين يمكنه أن يقتل الليستيريا.

الباحثون اكتشفوا أن الجينات التي يتم تفعيلها فقط عندما تهاجم البكتيريا الجسم، تقوم بإلغاء أثر الجين المقاوم للدواء، لذلك لا يظهر تأثير الدواء على الجرثومة قبل دخولها إلى الجسم.

غسل اليدين بالصابون

منذ عام 2016 منعت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA استخدام مواد كيميائية معينة في الصابون المضاد للبكتيريا، وذلك في سبيل إنجاح محاولات القضاء على السوبر باغ.

بالإضافة إلى تجربة تم نشرها في مجلة Journal of Antimicrobial chemotherapy قاموا فيها بتعريض متطوعين لبكتيريا.

وطلبوا من بعضهم غسل أيديهم بالصابون المضاد للبكتيريا ومن البعض الآخر غسل أيديهم بالصابون العادي وكانت النتيجة واحدة.

إذا لم تجد ماء وصابون عادي ما الذي يمكنك عمله؟ استخدم أي معقم Sanitizer للأيدي تكون نسبة الكحول فيه أكثر من 60% هذه المطهرات فعالة في مقاومة الجراثيم دون أن تؤثر على صحتك.

كم شيئاً ملوثاً تلمسه في اليوم؟

مقابض الأبواب، عربات الشراء، جهاز التحكم، زر المصعد، شطافات الحمامات المشتركة، هاتفك النقال، والكثير غيرها.

كل هذه الأشياء مليئة بالجراثيم، ورغم ذلك عندما نقابل شخصاً نصافحه بكل حرارة لأن هذه طبيعة البشر.

لكن وفقاً لبحث من جامعة كولورادو اليد تحمل في المتوسط 3200 بكتيريا من 150 نوع مختلف، وبسهولة يمكن أن تنقل الأمراض بيننا فقط بالمصافحة.

هل لا نسلم على بعض؟ بل نسلم على بعض ونحتفي بالسلام، لكن يجب أن تحرص على تنظيف يدك وتجففها بشكل صحيح عدة مرات كل يوم.

يعتقد أغلبنا أن مناطقنا الخاصة بحاجة إلى زيادة في النظافة، وربما يستخدمون غسولاً مخصصاً لذلك أو مناديل مبللة أو صابون معين، لكي يشعروا بالانتعاش أو القضاء على الحكة أو بعض الروائح.

لكن هناك مخاطر صحية محتملة عند الإكثار من استخدام هذه المنتجات.

فقد كشفت دراسة في جامعة بويلف في كندا أن النساء اللواتي يستخدمن هذه المنتجات، أكثر عرضة بنسبة ثلاثة أضعاف الإصابة بنوع من العدوى المهبلية.

كما أن هذه المنتجات تمنع نمو البكتيريا السليمة اللازمة لمكافحة العدوى، مما يؤدي إلى الكثير من المشاكل الصحية مثل التهاب الحوض والمسالك البولية.

لذلك لا تنجرف دائماً خلف المنتجات التي يمكن أن تؤثر على صحتك بدون أن تستشير الطبيب.

النظافة الانتقائية المستهدفة Targeted Hygiene

الخبر الجيد أنه يوجد مستوى نظافة مقبول من الناحية العلمية، ويسمى النظافة الانتقائية المستهدفة Targeted Hygiene وهذا يعني الحفاظ على مستوى عالي من النظافة في الوقت الصحيح والمكان الصحيح.

فبدلاً من تنظيف أو تعقيم البيت كله بشكل يومي، خاصة إذا كنت تكره أعمال المنزل، فاحرص على تنظيف:

أزرار الإضاءة، ومقابض الأبواب وسطح المطبخ وألواح تقطيع الطعام، ودورة المياه وغيرها من الأسطح المعرضة للميكروبات نتيجة استخدامها بشكل مكثف.

لكن تنظيف السقف وغسل الأثاث يمكن أن يتم كل ستة أشهر.

هناك حشرة تسمى بق الفراش أو Bed Bug وهذه تحتاج إلى بيئة رطبة لكي تعيش، لهذا لا بد أن تعرض أغطية السرير للهواء أو الشمس بعدما تستيقظ ولا تتركها مطوية.

والأفضل أن تخرج إلى المناطق المفتوحة وتمارس الأنشطة الخارجية الرياضية، وتعرض جسمك للتنوع الموجود في الطبيعة، لتقوي جهاز المناعة وتمنع البكتيريا من الالتصاق بجسمك.

المواد الكيميائية

هناك مشكلة كبيرة نواجهها في البيوت الحديثة التي تغلق بإحكام لحفظ الحرارة، فلا يتم تهويتها بشكل جيد، فتتراكم المواد الكيميائية في الهواء والغبار بداخلها. كما يقول ستيفن هولجيد بجامعة ساوثهامبتون.

المواد الكيميائية تأتي من إفراط استخدامنا للمنتجات المضادة للبكتيريا، وأيضاً من الطلاء وملمعات الخشب، والمواد التي نغسل بها السجاد.

لذلك يقترح الباحثون استخدام مكونات تنظيف طبيعية موجودة في مطابخنا، مثل الخل والليمون وبيكربونات الصودا.

ولا تقل أنا أستخدم جهاز تنقية الهواء، فلا مشكلة لدي الحقيقة، لكن هذه الأجهزة غير فعالة في حالة وجود معطرات الجو ورذاذ المنظفات، لأنها تلتقط فقط الجزيئات الكبيرة كالشعر والأتربة.

نباتات الزينة

المركبات العضوية المتطايرة في البيئات المغلقة تؤدي إلى مشاكل صحية كالدوخة والربو والحساسية وإحدى طرق الحل قد تكون في نباتات الزينة.

الفضل في هذا الاكتشاف يرجع لباحثين في جامعة نيويورك، قاموا بتجربة اكتشفوا فيها قدرة هذه النباتات على امتصاص خمسة أنواع مختلفة من المواد المتطايرة.

ووجدوا أن نبتة بروميليا Bromeliad استطاعت أن تمتص 80% من المواد المتطايرة في المنزل، أما نبتة دراسينا Dracaena فامتصت 90% من تلك المواد.

ولهذا فإن فتح الشبابيك وتهوية المكان مهم لكي نساعد النباتات في القيام بمهامها بطريقة أفضل.

تأثير المنظفات على المدى البعيد

أكثر الأشخاص المعرضون لمخاطر التنظيف هم العاملين في مجال التنظيف.

تقول الدكتورة سيسيل سفانيس من جامعة بيرغن في النرويج أن آثار المواد الكيميائية على المدى القصير قد ظهرت. لكن لا نعرف ما الذي سيحدث للرئة مع التقدم بالعمر.

لذلك قامت بقيادة بحث في الجامعة لتحليل بيانات أكثر من 6000 مشارك في مسح صحي في أوروبا، وتمت متابعتهم لأكثر من 20 عاماً.

والنتيجة ظهرت في فبراير 2018، وأظهرت انخفاضاً ملحوظاً في سرعة وظائف الرئة من شهيق وزفير عند الأشخاص الذين ينظفون على الدوام.

لهذا يأمل الباحثون أن يطور المصنعون منتجات تنظيف لا يمكن استنشاقها، لأن الموجودة حالياً مخصصة لتنظيف الأسطح وليست للرئة.

الماء والكلور

سأسألكم ما هو أول شيء نحتاجه للقيام بعملية التنظيف، هل هو الاستحمام، أو غسل الأيدي أو تنظيف الحمام والمطبخ بالماء؟

إن المشترك بينهم جميعاً هو الماء، لكن كيف تنظف المياه كي نستخدمها في التنظيف؟ كلمة واحدة الكلور. الذي أصبح منذ عام 1904 معتمداً في تعقيم المياه.

لكن كيف يقتل الكلور الميكروبات دون أن يقتلنا؟

لحسن الحظ عندما نتناول مياه الشرب المعالجة بالكلور فإن هناك مواداً في الجهاز الهضمي لدينا تبطل تأثير الكلور السلبي، رغم أن هناك من يقول أن للكلور آثاراً جانبية على المدى البعيد.

خاتمة

النظافة شيء جميل ومهم ليس فقط للجسم بل أيضاً للنفسية، ولا شيء أسوأ من الأشخاص غير النظيفين الذين في الحقيقة يؤذون أنفسهم ويؤذون من حولهم.

لكن التنظيف الزائد عن الحد قد يضر الإنسان كما رأينا، لذلك نحتاج أن ننظّف دائماً نعم، لكن دون أن نبالغ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى