إسلامشخصيات

من هو الإمام أحمد بن حنبل




علو الهمة  الإمام أحمد بن حنبل – طارق سويدان

أحمد بن حنبل يتحدث عنه الشيخ طارق سويدان.

العقول تتفاوت بحسب ما فيها من علم وإدراك، وكذلك النفوس تتفاوت في همها بقدر ما يشغلها من هم ومتاع، هناك من همه كما وصفه الشيخ الشهيد حسن البنا رحمه الله.

لقمة لينة ومركب فارغ وحلة جميلة ونومة مريحة ومظهر كاذب ولقب أجوف، وهناك من صنع الهم فيه عقلاً متحفزاً.

لا يكف عن التفكير بالأمة وحاجتها وما يصلح حالها لا ييأس ولا يستسلم ولا يستريح قالوا: دخل الشيخ الإمام أبو سعيد الواسطي على الإمام أحمد بن حنبل وهو في الحبس في محنته قبل أن يضربوه.

والناس في الخارج ينتظرون رأي الإمام فقال الواسطي: يا أبا عبد الله عليك عيال ولك صبيان وأنت معذور ” يعني قل لهم الذي يريدونه ” فرد الإمام إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد فقد استرحت.

استراح الواسطي واستراح غيره الذين يبحثون عن الأعذار حتى يؤثروا السلامة على مقاومة الباطل والتضحية من أجل أمتهم.

أما الإمام أحمد فكانت راحته في شأن عظيم حتى غدى في ثباته وصلاحه حديث الأولين والأخرين.

ما قصة الإمام أحمد ومحنته وكيف خرج منها منتصراً هذا هو موضوع حلقتنا اليوم.

نشأة الإمام أحمد بن حنبل

ولد الإمام أحمد بن حنبل الشيباني عام 164 هجرية، ونشأ يتيماً ما رأى أباه ولا جده ولم تتزوج أمه بعد وفاة زوجها وآثرت أن تتولى تربية أبنها وتتفرغ له.

وجعلت حياتها كلها لإبنها أحمد، فشب على القناعة وعلى العزة والقوة والعزم.

وجهته منذ نعومة أظفاره للعلم، فحفظ القرآن الكريم وظهرت عليه علامات النبوغ والجدية، مقترناً بالخلق الجميل والحسن، هكذا التربية إذا الأم تفرغت وكانت حريصة على العلم والأخلاق.

حتى تستكمل الدين واللغة. درس الفقه لكن ميله كان نحو علم الحديث، وكانت همته في علم الحديث عالية جداً تنقل وسافر الأسافر العظيمة لأجل طلب أحياناً أحاديث قليلة جداً.

تتلمذه على يد الشيوخ

وكان ينتقي شيوخه من ذوي العلم العميق والإيمان والأخلاق العالية، فاختار شيوخ وزاد عدد شيوخه عن 100 عالم من كبار العلماء تأثر بهم.

كان لهم دور كبير في بناء شخصيته أبرز هؤلاء العلماء الذين تربى على أيديهم هشيم بن بشير لازمه الإمام أحمد أربع سنوات.

هذا هشيم كان يرى جواز الخروج على الحاكم إذا ظلم، وإذا جار وكان ثار بنفسه، هشيم الذي علم الإمام أحمد العلم، ثار ضد الطغيان العباسي مع إبراهيم شقيق محمد ذو النفس الزكية كان في ثورة عظيمة. اشترك بها عدد كبير من العلماء يسمونها ثورة محمد ذو النفس الزكية وشقيقه إبراهيم إرجعوا لها موجودة في التاريخ معروفة في هذا الإسم وقتل ولد ابن هشيم قتل في هذه الثورة وكان من شيوخ الإمام. الإمام الشافعي الذي تعلم منه الإمام أحمد أصول الاستنباط ومن علمائه الكبار الإمام الجليل عبد الرزاق الصنعاني إمام أهل اليمن.

ومن أعظم من تربى وتعلم على يديه الإمام أحمد بن حنبل إمام عصره يزيد بن هارون، وهكذا عاش الإمام أحمد بن حنبل يطلب العلم بهمة عالية.

زهده في الحياة

ما اكترث من أجل العلم لم يكترث بمتاع الدنيا وملذاتها، كان يعيش في بيت ضيق متواضع كان يكتفي بالتمر أو بكسرة خبز يبللها بماء.

هكذا كان يعيش وأنا تتبعت سيرة الإمام أحمد في منتهى الفقر لم يشتري في حياته كلها من الفاكهة إلا بطيخ وعنب في كل حياته.

وكان يقول الخوف من الله عز وجل يمنعني من أكل الطعام والشراب، وإذا ذكرت الموت هان علي كل أمر الدنيا.

إنما هو طعام دون الطعام يعني طعام فقط لأعيش ولباس دون اللباس لا أريد ملابس وأي ترفيه ملابس تسترني فقط.

يقول يكمل كلامه وإنها أيام قلائل ما أعدل بالفقر شيئاً ولو وجدت السبيل لخرجت حتى لا يكون لي ذكر حتى الشهرة لا أريدها.

أريد فقط أن أنجو عند الله عز وجل كان في منتهى العمق في علاقته مع الله عز وجل.

عدم قبوله الهدايا والأموال

وكان من قراراته التي أصدرها على نفسه لم يصدرها للناس لكن على نفسه كان لا يقبل هدية ولا عطاء من أحد.

وكان ينفر من مال الخلفاء الذي يوزعونه على العلماء فيشترون به ألسنتهم وأحياناً علمهم.

كان يعيش على إيجار أو غلة عقار ورثه عن أبيه، ما يكفيه لا تكاد تسد حاجته إذا ضاقت عليه الأمور حتى هذا لا يكفيه ذهب ينسج ملابس ويبيع النسيج.

هكذا كان يعيش الإمام أحمد بن حنبل، وكما رفض الإمام أحمد عطايا الحكام وهدايا التجار رفض المناصب الرسمية، رفض القضاء.

كان يرى أن التولي بحيث هو في دولة عباسية تحكم بشرع الله وليست كدول اليوم شرع الله وراء ظهورهم، رفض أخذ أي منصب رسمي في الدولة العباسية لأنه يعتبرها دولة ظالمة.

فرفض القضاء وكان يرى أن التولي لأي منصب من قبل الظالمين عون للظالمين.

إنكاره المنكر

وكان لا يداهن كان لا يجامل كان ينكر المنكر دون إبطاء، يرى منكراً لا يتأخر وليت اليوم من يدعون الإمام أحمد، يا ليتهم يسيرون على نهجه في الرفض.

لأنه قلنا لا تأخذوا مناصب ولكن لا ترضوا بالظلم والظالمين.هذه الإمامة، كان في الورع وفي الزهد كانت له مثل ما كانت له الإمامة في القرآن والفقه والحديث والسنة.

صبر الإمام أحمد بن حنبل على الفتن

هذا التجميعة جعلت من الإمام أحمد بن حنبل إماماً في كل هذا، لكنه أيضاً إماماً في الرجولة في الإرادة الصلبة في الصبر في الثبات على الحق كان غماماً في علو الهمة لا يستريح.

يدافع عن كل ما يلم به بقناعة عن عقيدته ويذب عن دينه، يحميه، يتصدى للبدع، يتصدى للشعوذات، وطبعاً أخطر ما ظهر في زمانه الردة الجديدة.

التي كادت تودي ليس بالمسلمين فقط بل بالإسلام نفسه بأسس الدين وهي فتنة القول أن القرآن مخلوق.

لعلكم سمعتم في فتنة تسمى خلق القرآن ما هي باختصار، هي القول بخلق القرآن، القول أن القرآن الكريم مخلوق، أن الله سبحانه وتعالى خلق القرآن .

لماذا خلق القرآن لأنه لا يتكلم، الله لا يتكلم، لماذا لا يتكلم، لأن الكلام يتجدد والله تعالى لا يتجدد هكذا فهموها.

يريدون أن ينزهوا الله فألغوا صفة من صفات الله تعالى وهي صفة الكلام، والقول طبعاً بهذا لو سمح به هو بداية العبث في كل صفات الله تعالى الأخرى. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

ما معنى القرآن مخلوق 

ومعنى أن القرآن مخلوق وليس كلام الله، كما أن السماوات والأرض والإنسان مخلوقين، فهذا يدل على أنه معرض للنقص.

لأن كل مخلوق معرض للنقص، وليس كلام الله كما يقولون، إذا هو مخلوق إذا قابل النقص والفناء وهذا لو مر كان يسهل الطعن في القرآن الكريم.

هذه العقيدة تبناها المأمون وأعلنها في عام 212 هجرية، أعلن القول بخلق القرآن، لكن في البداية لم يجبر أحد على هذا، لم يلزم فيما أعلنه، ولو بقي الأمر عند هذا الأمر لاندثرت الفتنة.

لأن العلماء بقوة حجتهم سيواجهون، وبجهودهم وقوة حجتهم كفيلة بدحر هذه الفتن، لكن المأمون أصدر إعلانه الثاني بالقول بخلق القرآن.

ودعوته الناس بقوة السلطان بل بالسيف الذي لا يقول إن القرآن مخلوق يقتل، أجبرهم على اعتناق هذه الفكرة.

وأرسل وليه في بغداد أن يمتحن قضاة الدولة وفقهاء الدولة وبدأ بسبعة علماء كبار معروفين في بغداد، فكلهم استجابوا خوفاً من السجن، كلهم الذي يقول حاضرين.

الإرهاب الفكري

أول إرهاب فكري كان تاريخنا هو إرهاب الدولة والمنحرفين هؤلاء المعتزلة وليس أهل السنة الذين أرهبوا الناس.

أهل السنة يؤمنون بالحوار، لكن الدولة مارست الإرهاب على يد المعتزلة، فلما رأى المأمون استجابة هؤلاء الفقهاء الكبار، شجعه ذلك.

لو رفضوا لتوقفت، لكن هؤلاء علماء السلاطين، يزينون فيتشجع أكثر.

فحفزه على اختبار الآخرين، فامتحن نفر آخرين من العلماء، فأحضرهم الوالي ومن ضمنهم أحمد بن حنبل فامتحنهم الخليفة مرة ثم مرة وأحمد يقول القرآن كلام الله تعالى ولا أزيد على ذلك.

قال له قل أن القرآن مخلوق، فقال له لا اقول، فأرسل المأمون بحمل الرافضين إليه والذي اختبرهم هذا كان والي بغداد.

الإمام والخليفة

وأمر المأمون عندما وصلت أخبارهم بجلبهم إليه، وكان في قصر خارج بغداد، فاوثقوهم ليستجوبهم بنفسه.

عند هذا التهديد الكل طبعاً استسلم إلا أربعة، منهم الإمام أحمد بن حنبل، فشدوهم في الحديد، مع هذا الضغط تراجع اثنين فبقي فقط اثنين.

بحيث انقسم العلماء منهم لان واستراح من البداية هؤلاء في الغالب علماء السلاطين، ومنهم من عارضوا لكنهم ما ثبتوا أمام جبروت القوة فأجابوه.

هذا الصنف الثاني لكن الصنف الثالث الذي بقي على صمدوه لم يبقى إلا الإمام أحمد بن حنبل وشاب من العلماء الصغار أسمه محمد بن نوح.

وسيق الإمام أحمد ومحمد بن نوح إلى المأمون، وكان في ذلك الوقت قد ذهب إلى طرسوس، فلما وصلوا إلى منطقة الرحبة مر بهما رجل من الأعراب من قبيلة ربيعة.

فسلم على الإمام أحمد وقال له: يا هذا إنك الناس أنت مندوب الناس فلا تكن شئماً عليهم، وإنك رأس الناس اليوم فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه.

إذا أجبت سيجيب الناس فتحمل أوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل، وإنك إن لم تقتل تموت وإن عشت عشت حميداً.

يقول الإمام أحمد عن هذا الرجل كلما تذكرته تذكرت أنه ما يقوي عزمي.

لما اقترب الركب من مكان الخليفة عند آخر مرحلة وأخر راحة للوصول للخليفة، وصل خادم من خدام الخليفة يمسح دموعه.

وقال: أي يكلم الإمام أحمد يعز علي يا أبا عبد الله، والله لقد رأيت المأمون يسل سيفاً، وهو يقسم بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن أن يقتلك بذلك السيف.

فجثى الإمام أحمد على ركبتيه، ورفع بصره إلى السماء وأخذ يدعو: سيدي غر حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل.

اللهم إن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفينا مؤنته بما شئت وكيف شئت.

الدعاء على الظلمة

ودعى الإمام أحمد أن لا يريه الله المأمون، وقال: اللهم إن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفينا مؤنته بما شئت وكيف شئت. ما مضت تلك الليلة حتى جاء الصريخ من قصر الخليفة أن المأمون قد مات.

مات المأمون بدعاء هذا الشيخ العظيم، ولكنه كان قد أوصى أخاه بالتمسك بدعوة خلق القرآن، وأن يستعين بالوزير أحمد بن أبي دؤاد وهو أحد زعماء المعتزلة المختلفين. وهو الذي كان في نار الفتنة.

الخليفة المعتصم

الخليفة المعتصم كان يختلف عن المأمون، ورغم كل ما يقولون عنه أنه كان مهتماً بالشعر والآداب، أما المعتصم كان مهتماً بالحرب، عسكري وليس لديه أي علم.

واستغل بندائه أبي دؤاد وحرك الفتنة من جديد، ورد أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح إلى بغداد، وفي الطريق مرض محمد بن نوح هذا الشاب العالم ولما أحس بالموت يدنو منه قال:

يا أبا عبد الله، الله الله إنك لست مثلي، أنت رجل يقتدى بك، قد مد الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك، ينتظرون موقفك فاتقي الله واثبت لأمر الله.

هنا يوجد معنى، عندما تحدث الفتن يجوز لعامة الناس، ولغير من هم معروفون أن يأخذوا الرخصة وقلبهم مطمئن بالإيمان.

لكن لا يجوز للدعاة المشهورين أن لا يأخذوا الرخصة، لأن الناس تقتدي بهم. لأن عقلهم مستريح هذا فقط يجوز للعامة لكن لا يجوز للعلماء وخصوصاً المشهورين.

وهم من يقتدي بهم الناس ويجب أن يقفوا مع الحق، حتى لو ضحوا بألهم ودمهم، وهذا معنى الوصية التي أوصاها هذا الشاب العظيم محمد بن نوح.

وفعلا مات رحمه الله تعالى، وصلى عليه الإمام أحمد، ثم صدر القرار بحبس الإمام، ثم قال: اللهم السجن أحب إلي مما يدعونني إليه، السجن ولا أغير ديني ومبادئي ومواقفي.

فمهما خسرنا من أجل مبادئنا ننام مرتاحين، ننام وقد أرضينا ضمائرنا.

في دار الخلافة

ومن ثم أخذوه إلى دار الخلافة نفسها، وأدخلوه إلى الخليفة المعتصم وعنده رئيس الفتنة أحمد بن أبي دؤاد، وقد صار رئيس الوزراء أيضاً.

وجمع عدد كبير من علماء الفتنة، ثم جلس الإمام وقد أثقلته قيود حديد في رجليه ويديه، ثم مكث قليلاً ثم قال: أتأذن لي إلى أمير المؤمنين في الكلام؟ فأجاز له الكلام.

قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم قال دعى إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقال الإمام: وأنا اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. 

ثم قال الإمام: إن جدك ابن عباس يقول: لما قدم وفد ابن عبد قيس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن الإيمان قال: أتدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تعطوا من المغنم الخمس وأنا أقر بهذا.

أنا على دين محمد صلى الله عليه وسلم كما أمر الناس ما غيرت، لماذا تعذبني ؟

فقال المعتصم: والله لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك ما كنت افتنك.

نقاشه علماء السلطان

فظن الإمام أن في هذا فرج، لكن المعتصم طلب من الحاضرين، أن يناقشوه فبدؤا يناقشونه وهو يرد عليهم ويسكتهم.

فإذا سكتوا تدخل ابن أبي دؤاد، وقال يا أمير المؤمنين: هذا والله ضال مضل مبتدع، هؤلاء قضاتك والفقهاء العلماء معك فاسألهم.

فيسألهم الخليفة: ماذا تقولون من الذي هو صح؟ فيقول هؤلاء الجبناء: ضالٌ مبتدع. وعلا صوت الإمام على أصواتهم بالحجة والدليل فأعياهم فردوه إلى السجن مرة أخرى.

ثم تكرر المشهد في اليوم التالي، ورد الإمام أقوالهم، وكلما جاؤوا بحجة من علم الكلام من علم المنطق قال: لا أدري ما هذا؟

أنا أتكلم في أدلة شرعية فقط وأنتم تتكلمون في المنطق أنا أريد أدلة شرعية وهذا نقاش شرعي.

واستمر الحال على هذا حتى المغرب، فمل المعتصم، فأمر بالجميع أن يخرجوا وبقى هو والإمام أحمد وابن أبي داود.

وجاء إليه وقال له: أنطق هذه الكلمة، وأرحنا. فرفض الإمام أحمد، وردوه للسجن. ولما كان اليوم الثالث وطالت المناظرات، أمر الخليفة بالإمام وخرجوا.

رفضه القول بخلق القرآن وتعذيبه

ثم قال إسمعوا: ويحك يا أحمد أجبني كلمة واحدة، فقط قل لي أن القرآن مخلوق حتى أخلي سبيلك بيدي.

فلم يتراجع الإمام أحمد بن حنبل، فنادى الحراس وأمر الخليفة، فربط على آلة خشبية وبدؤوا يشدون وثاقه ويشدوا حتى خلعوا يده من كتفه.

فاشفق عليه المعتصم، لكن ابن أبي دؤاد أغراه قال: يا أمير المؤمنين والله لو تركته سيقولون غلب خليفتين أنت وأخوك.

وهنا إشتاط وأمر بضربه بالسوط فتناوبا عليه هذا يضربه سوطين والأخر ثلاث وهكذا.

ثم قام إليه المعتصم وقال: يا أحمد علام تقتل نفسك، إني والله عليك لشفيق، وجعل يؤنبه والعلماء الموجودين يؤنبوه.

ثم صرخ واحد منهم يا أمير المؤمنين دمه في عنقي، اقتله. أفتى بقتله كما أفتى غيرهم بقتل الناس.

فأمر المعتصم بمواصلة الضرب ثم قال: أجبني إلى أي شيء. ولو كان أي كلام يسهل المسألة، وليس شرطاً أن تقول أن القرآن مخلوق ثم والله أطلقك بيدي.

ولم يجبه ثم أمر بجلده وجلده حتى أغشي عليه ثم كبوه على وجه.

ثم بدؤا يمشون عليه ويدسون عليه، وهو مغمى عليه لا يشعر بشيء، وعندما استفاق في اليوم التالي وضج الناس، وكانوا بالآلاف يتجمعون حول دار الخلافة يطالبون بإخراج الإمام أحمد.

وبدأ يلوح في الأفق نذير الثورة، ولما شعر الخليفة بهذا، وأن الأمر سيتحول إلى ثورة عارمة أخلى سبيله.

اشهدوا أن القرآن كلام الله

بعد أن مضى في السجن ثمانية وعشرين شهراً، وجاء الناس إليه يسألونه ماذا قلت حتى نقول قال: ما عساي أن أقول أكتبوا وأشهدوا أن القرآن كلام الله وليس بمخلوق.

هكذا إذاً صمد أصحاب الحق، وإذا صمد أصحاب الحق سوف يتراجع الباطل، لكن إذا توقف أصحاب الحق عن المطالبة بالحق ولو يوم واحد توقفوا سيستقر الباطل.

مات المعتصم وتولى بعده ابنه الواثق، فجاء وحمل نفس الفكرة، لكنه لم يتعرض للإمام أحمد بن حنبل واكتفى بإخراجه من بغداد وأوقفه عن التدريس. وجعله في إقامة جبرية.

الخليفة المتوكل وزوال المحنة

ومات الواثق والناس في محنة، ثم جاء المتوكل واستلم الخلافة سنة 232 هجرية فأطفأ نيران البدعة وأقصى المعتزلة، وقرب أهل السنة.

وجاء بنفسه وتودد إلى الإمام أحمد بن حنبل وانتهت هذه الفتنة بزوال الباطل. لم يكن الإمام وحده الذي تعرضت له المحنة امتدت الفتنة في أنحاء كل دولة الخلافة.

ضاقت السجون بالعلماء والفقهاء الرافضين لهذا الباطل كما تضيق السجون اليوم بالرافضين للإنقلابات العسكرية والرافضين للاستبداد.

أثبتت المحنة صدق عزيمة أحمد بن حنبل وإخوانه من العلماء الذين صمدوا، وقوة إرادتهم اعتصامهم بالله، توكلهم على الله والسر في قوتهم وسر هيبتهم هو الله.

بلغت سمو روحه وشرف طبعه أنه جعل كل أذاه في حل وعفى عن كلهم إلا أهل البدعة وكان يتلوا للناس دوماً وليعفوا وليصفحوا.

وفاته

في يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول من سنة 241 هجرية في يوم المولد النبوي أسلم الإمام أحمد بن حنبل روحه لبارئها وكان عمره 77 سنة.

تزاحم الناس في الطرقات ليشهدوا جنازته حتى بلغوا مئات الألوف وفي رواية ألف ألف مليون واحد صلوا عليه.

انشروا عني

تمر الحياة بالأحداث في عملية تدافع وصراع بين الحق والباطل والناس تبعاً لما يحدث حولهم أصناف ثلاثة:

صنف مثل الإمام أحمد بن حنبل توهج الحق في قلبه أحس بالقلق المحمود في عقله فإذا همه قد كبر فكبرت همته فقام ينصر الحق وينصر أهله ويدفع الباطل وجمعه. 

وصنف أخر لحقت به روح الانهزام وتقيد باليأس والإحباط فثبط غيره بل تمالى مع الباطل فهو والباطل سواء.

وصنف ثالث يتمنى الأماني ثم هو لا يسعى إلى تحقيقها يقف متفرجاً أو أغلق عليه بابه يقل مالي ولهذا فاستراح في ظنه صاحب العقل المستريح.

ليس عنده هدف ولا عنده طموح يدفعه، ولا غيرة تحركه، إرادته ضعيفة، يبحث عن أعذار، يتتبع الرخص، يكثر كلامه، يكثر جدله.

لكن تقل أفعاله، يردد ما يناصر هواه وحياته ليس فيها جدية ولا عنده شعور بالمسؤولية 

رحم الله الإمام العظيم أحمد بن حنبل 

أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

طارق سويدان

 

ما هو رد فعلك؟
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى