حول العالم

كيف نشأ نظام العبودية و الفصل العنصري




كيف نشأ نظام العبودية و الفصل العنصري

نستذكر نظام العبودية عندما اشتعلت المظاهرات في إحدى الولايات المتحدة الأمريكية على إثر حادثة قتل وصفت بأنها حادثة قتل عنصرية حينما أطلق شرطي أبيض النار على أمريكي أسود أعزل فأرداه قتيلاً .

وموضوعنا اليوم تاريخ العنصرية في الولايات المتحدة الأمريكية ، و تاريخ نضال السود للتحرر من العبودية و قوانين الفصل العنصري .

أسباب نشوء نظام العبودية

في الثالث من أغسطس عام 1492 أبحر الملاح الإيطالي كريستوفر كولومبوس من الموانئ الإسبانية بتمويل من الملكين الكاثوليكيين فرناندو الثاني ملك أراغون و إيزابيلا الأولى ملكة قشتالة .

كانت الدوافع الاستعمارية هي الباعث الأول لهذه الرحلة فمن أهدافها استيعاب أراضي جديدة لتوسيع الإمبراطورية الإسبانية .

وتعزيز التجارة الدولية للإمبراطورية عبر اكتشاف طرق جديدة موصلة إلى الهند غير الطرق التي كانت تمر في بلاد المسلمين .

بالإضافة إلى التبشير بالكاثوليكية و دعوة الأمم المستعمرة إلى الخلاص من الذنوب والآثام ، بينما هم ينهبون ويسلبون ثروات بلادهم المحتلة .

استمر كريستوفر كولومبوس في رحلته الاستكشافية حتى اكتشف العديد من الجزر الواقعة في شرق القارة الأمريكية .

ووضع الخرائط والرسومات لهذه الطرق البحرية الجديدة التي ظنها تنتهي إلى الهند ، ولم يكن يعلم أنها تؤدي إلى العالم الجديد أو إلى القارة الأمريكية كما سميت لاحقاً .

وبعد عودة أسطوله إلى الموانئ الإسبانية محملاً بكنوز من الذهب والفضة والمعادن النفيسة ، فتحت شهية ملوك إسبانية للتوسع في احتلال مساحات شاسعة من أراضي القارة ودمجها بالإمبراطورية الإسبانية .

فتتابعت الرحلات البحرية محملة بأعداد بشرية أضخم لإنشاء المستوطنات الإسبانية حتى تكون محل انطلاق لاكتشاف المزيد من الأراضي و السطو على أكبر قدر ممكن من الثروات .

فشاعت في أرجاء أوروبا أخبار الأرباح الهائلة التي جنتها الإمبراطورية الإسبانية و دفع ذلك الدول الاستعمارية الأخرى مثل البرتغال و بريطانيا و فرنسا و هولندا إلى اللحاق بإسبانيا .

طمعاً بالمشاركة في مسيرة نهب ثروات العالم الجديد و انتزاع أراضيه من أيدي سكانه الأصليين .

نظام العبودية واسترقاق الأفارقة

مع تضخم تبعات الإستيطان وحاجة الغزاة الأوروبيين إلى توفير أعداد ضخمة من العمالة التي يمثل وجودها ضرورة لاستغلال الثروات الواسعة .

من المزارع و المناجم و قطعان الماشية وغيرها ، قرر الغزاة الجدد استعباد الهنود الحمر وتسخيرهم للقيام بالأعمال الشاقة .

لكن ضعف أبدانهم و هلاك عشرات الآلاف منهم بسبب الأمراض المنقولة إليهم عبر الغزاة لم يجعل من الهنود عمالة مناسبة لإشباع نهم الرجل الأبيض في ابتلاع خيرات و ثروات الآخرين .

فأوحى شيطان الامبريالية إلى الغزاة فكرة استرقاق الأفارقة و جلبهم إلى العالم الجديد ، فهم الأقدر على تحمل الأعمال الشاقة تحت أشعة الشمس الحارقة و هم الأقوى مناعة للأمراض الأوروبية .

وقد باركت الكنيستان الكاثوليكية والبروتستانتية عمليات خطف الأفارقة و استرقاقهم بعد أن أغراهم تجار الرقيق و جعلوا لهم رسوماً لعملية تصدير العبيد .

فكانت هذه الحملات مربحة إلى حد كبير حتى بلغ بأحد الأساقفة أنه أرسل سفينة على حسابه الخاص في إحدى عمليات تصدير الأفارقة .

بل أن كثيراً من المبشرين الذين أرسلوا إلى أفريقيا جنوا أرباحاً طائلة مقابل تقييد مجموعات الأفارقة بالأغلال وسحبهم إلى الساحل لقباطنة السفن حاملة العبيد .

وكان صائدوا العبيد يجرّونهم بسلاسل و يسيرون بهم مئات الأميال و يدمغونهم بالأختام المحمّاة كما تدمغ الماشية ليسهل تمييزهم و يعرف من هو مالكهم .

ثم يكدّسون في سفن العبيد المرعبة ، حيث لا يجد الواحد منهم فيها موضعاً لقدمه ، وكانت السياط تهوي على ظهورهم لإجبارهم على الالتصاق في أضيق مساحة ممكنة .

لمضاعفة أعداد العبيد المرحّلين إلى أمريكا وهو ما يعني مضاعفة الأرباح التي تجنى من بيعهم .

وبسبب هذه الظروف القاسية غير الآدمية كانت رائحة سفن العبيد تشم على بعد أميال من مكانها ، وكلما اقتربت اشتدت تلك الرائحة الكريهة و سمعت صيحات الألم من أفواه الأفارقة المخطوفين .

ولم يجد تجار العبيد أدنى حرج من إلقاء أعداد من العبيد في البحر تتلقفهم أنياب أسماك القرش عند الخشية من نقص المياه .

نظام العبودية وأرباح الرجل الأبيض

تشير بعض التقديرات إلى أن من بين كل خمسة يتم ترحيلهم إلى أمريكا يسلم من الموت واحد فقط ، أما البقية فإنهم يموتون بسبب العنف و القتل و المرض و الجوع .

وعلى الرغم من هذا الهدر في أرواح العبيد إلا أن مجمل الأرباح لم يكن يتأثر ، فقد كانت نسبة الأرباح من تجارة الرقيق تصل إلى 1000% في الرحلة الواحدة .

واستمرت عملية شحن الأفارقة واستنزاف القارة السمراء لأكثر من ثلاثة قرون حيث أفرغت أقاليم كاملة من سكانها و اختفت قبائل بأسرها .

مما جعل اليونسكو تقر بأن تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي هي أكبر عملية ترحيل قصري في التاريخ .

فبعض التقديرات تشير إلى أن عدد الأفارقة المرحّلين يصل إلى مائة مليون إنسان ، فقد كانت هذه الجريمة من أبشع جرائم الإنسان الغربي الأبيض .

التي برهن من خلالها للبشرية أنه مستعد للإنحطاط إلى الأعماق المتدنية في سبيل امتلاك أعظم قدر ممكن من الثروات .

وهنا إشارة مهمة وهي أن هذه القفزة الحضارية الهائلة التي حققتها أمريكا و أوروبا قامت على أساس غير أخلاقي ، فهي معتمدة بشكل مباشر على نظام العبودية المتوحش .

وقد أشار ماركس إلى هذه الملاحظة حيث يقول : وبغير العبودية ما كان يوجد القطن ، وبغير القطن ما كانت توجد الصناعات الحديثة .

فالعبودية هي ما أعطت المستعمرات قيمتها الحقيقية ، و المستعمرات هي ما أوجدت التجارة الدولية ، و التجارة العالمية شرط مسبق للتصنيع على نطاق واسع ، ومن هنا تظهر الأهمية الكبرى للعبودية .

آلام لا تنتهي

لم يكن رسوّ سفن الاستعباد على الشواطئ الأمريكية يعني انتهاء آلام الأفارقة ، بل كان يعني ابتداء فصل جديد من فصول التعذيب .

فكانوا يساقون كما تساق البهائم إلى أسواق النخاسة مقيدة أيديهم وأرجلهم مكبلة ، ويمطرون بوابل من الإهانات اللفظية والجسدية .

ثم يقذف بهم إلى حقول القطن و معاصر السكر ، و يبدأ نفوذ القانون الوحشي الجديد الذي وضعه الرجل الأبيض :

إذا ضرب الرجل الأبيض رجلاً أسود فردّ الأسود الضربة إلى الأبيض فإنه يقتل .

وإذا ركب الأسود الخيل عوقب بالجلد .

إذا هرب العبد من سيده فقد أبيح دمه فمن وجده قتله .

و كانت ساعات العمل المقررة تصل إلى 19 ساعة في اليوم ، و كان للسيد السلطة المطلقة في إيقاع العقوبات على العبد كالجلد و الحرق أو بتر الأعضاء أو الحكم بالموت .

بل أقرت بعض الولايات مثل ولاية فرجينيا و ولاية ميريلاند عقوبات أكثر بشاعة كالتمثيل بجثث الموتى بعد شنقهم .

ومن أجل إحكام السيطرة و تعزيز الاحترازات من نشوء حركات تمرد في صفوف العبيد حُرّم عليهم تعلم القراءة والكتابة ، لأن الوعي و العلم هما أول عتبات الحرية و تفكيك نظام الاستعباد .

في سبيل الحرية

بالرغم من كل الممارسات القمعية إلا أنها لم تمر دون مقاومة ، فقد بذل الأفارقة المستعبدون تضحية عظيمة في سبيل استرداد حريتهم المسلوبة واسترداد كرامتهم المنتهكة .

وقد سجّل المؤرخون ما يصل إلى 250 انتفاضة قام بها الأمريكيون السود من أجل تحقيق حريتهم ، وتمثل انتفاضة هايتي التي بدأت عام 1791 نقطة تحول كبيرة في تاريخ العبودية .

فقد بلغ عدد العبيد المنضمين إلى هذه الانتفاضة ما يقارب 100 ألف شخص ، واستمرت سلسلة الانتفاضات تتوالى وتتابع .

فأرغمت الكثير من الولايات على تحريم الرق حتى انتهى الأمر إلى إصدار الولايات المتحدة قراراً يقضي بتحريم الاتجار بالرق نهائياً عام 1794 .

الحرب الأهلية الأمريكية

لكن الولايات الجنوبية ظلت متمسكة بنظام العبودية لكون إلغاء هذا النظام سيمثل ضربة قوية لاقتصاد ولايات الجنوب المعتمدة على العبيد في زراعة القطن .

حيث يشكل محصول القطن الجنوبي ثلاث أرباع المحصول العالمي ، لذلك أعلنت ولايات الجنوب انفصالها عن الولايات المتحدة الأمريكية ، فور إعلان الرئيس الأمريكي حظر الرق في جميع الأراضي الأمريكية .

فاشتعلت الحرب الأهلية الأمريكية بين الولايات الشمالية بقيادة الرئيس الأمريكي ابراهام لينكولن والولايات الجنوبية بقيادة جيفرسون ديفيس .

وقد شارك السود بقوة في معسكر الولايات الشمالية من أجل تحرير إخوانهم في الجنوب والقضاء على نظام العبودية الجائر .

وبانتهاء الحرب الأهلية انتهى عصر الاستعباد و تبنى الكونغرس الأمريكي التعديلات الدستورية التي انهت دستورية نظام العبودية .

فنصّت القوانين على منح الجنسية الأمريكية لأي شخص يولد على أرض الولايات المتحدة ، وعلى إعطاء السود الحماية المتساوية الكاملة أمام القانون .

قوانين الفصل العنصري

إلا أن إقرار هذه القوانين لم يضمن للسود حقهم في الواقع ، لأن ثقافة التمييز بين الأعراق متجذرة في عقل الأمريكي الأبيض ومن الصعب جداً أن يقبل المعايشة مع المنحدر من الأصول الأفريقية .

فسنّ الديمقراطيون حزمة من القوانين العنصرية التي تضيّق الخناق على السود و تمنعهم من حقوقهم في المواطنة ، و أطلقوا على هذه القوانين إسم منفصل لكنه متساو .

وتهدف هذه القوانين إلى الفصل بين السود والبيض في الأماكن العامة و المدارس و المواصلات حتى المراحيض العمومية .

فكان الرجل الأسود ممنوعاً من الأكل في مطاعم البيض أو الركوب في المواصلات العامة الخاصة بالبيض ، بل في بعض المناطق يمنع الرجل الأسود من المسير مع الرجل الأبيض على رصيف واحد .

و لم يقف الأمر عند تلك القوانين العنصرية فحسب بل نشأت بعض التشكيلات المسلحة الإرهابية التي أزعجها إضفاء الصبغة الآدمية على الرجل الأسود .

مثل منظمة كوكلوكس كلان التي نشأت عام 1866 حيث تتميز هذه المنظمة بزيها المثير للهلع المكون من أقنعة بيضاء ذات ثقوب للعينين والأنف .

و قبعات عالية تطيل قامة الذين يرتدونها ، و هم لا يتفاهمون فيما بينهم إلا بالصافرات .

كانت هذه المنظمة الإرهابية تستهدف تصفية النشطاء السود الأكثر وعياً ، و يستخدمون في حقهم جملة من الأساليب الوحشية في التعذيب كالجلد و الحرق و الإخصاء .

و كثيراً ما يصل الأمر إلى القتل ، فانتقل السود إلى أساليب جديدة من أساليب النضال للتحرر و طرق أخرى لمقاومة قوانين الفصل العنصرية و إنهاء نظام العبودية .

المصادر

قناة سعد القحطاني

شاهد أيضاً:

جورج فلويد وتاريخ العنصرية في أمريكا

مارتن لوثر كينج قتلته العنصرية فخلده التاريخ


جميع الحقوق محفوظة لموقع ماكتيوبس للنشر والتوثيق 2020 / MakTubes.com

ماكتيوبس

ما هو رد فعلك؟
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى